عمر شهريار
أحدثت الوسائط الحديثة وتكنولوجيا المعلومات ما يمكن اعتباره انقلابا معرفيا، وليس فقط معلوماتيًا كما يشاع، إذ تغيرت بفضلها رؤية الإنسان لذاته ورؤيته للعالم من حوله، وتبدلت طرائق التعاطي مع الذات والعالم، بل ربما لا نبالغ إذا قلنا إنه، بالأحرى، لم يعد هناك مفاهيم كلية متماسكة لما يطلق عليه "الذات" و"العالم" بالأساس، وبما ينطوي عليه هذان الاصطلاحان من ثنائية ضدية في الأغلب، حسب الأطروحات التقليدية التي دأب المنظرون عليها. فقد ساهمت هذه الوسائط الحديثة في ما يمكن اعتباره تذويب وتسييل طرفي هذه الثنائية، واندياحهما في بعضهما البعض، وكسر الحواجز السميكة التي كانت تفصلهما، فأصبح الآخر حاضرا وماثلا طوال الوقت في تصور الذات عن نفسها، بل ويعيد تشكيلها بدرجة ما.
ولا يمكن، بطبيعة الحال، التعاطي مع ثورة الوسائط الحديثة وتكنولوجيا الاتصالات، دون الالتفات إلى الجذر والمنبع الثقافي الذي أنتجها وتنتجه في الوقت ذاته، وأعني على وجه التحديد حقبة العولمة التي نعيشها، والتي تعتبر عنصرا مهما وحاسما دخل في تكوين الوجود البشري ككل، وألقت بظلالها الكثيفة، أيضا، على طبيعة المكان وتفاصيله وعلى علاقته بالزمان. والعولمة ليست، فقط، الشركات متعددة الجنسيات، أو حتى جماع الأنشطة الاقتصادية، بل دخلت في معظم الممارسات اليومية الحياتية، إذ "تقع العولمة في القلب من الثقافة الحديثة؛ وتقع الممارسات الثقافية في القلب من العولمة"[2].
وستحاول هذه الورقة أن تتعاطى مع التحولات النصية، وتغيرات الرؤى والجماليات في النص الشعري، وعلى وجه التحديد في قصيدة النثر، بوصفها قصيدة لصيقة بعصر الصورة والميديا، وتعتمد بلاغة المشهد بدلا من البلاغة التقليدية، فضلا عن كونها تعد _مقارنة بالمدارس الشعرية السابقة عليها_ الأكثر انفتاحا على المنجزات المعرفية لخطابات الحداثة وما بعدها، وسنقف عند مجموعة من المتغيرات الجمالية والرؤيوية في بنية هذا النص الشعري.
تدمير الزمان والمكان
ثمة تحول، قد يكون رهيفا وناعما، ولكنه حاسم وجذري بطريقة لا تقبل الإنكار، في علاقة الإنسان بالمكان والزمان، فالعولمة "تحوِّل بشكل أساسي العلاقة بين الأماكن التي نسكن فيها وهوياتنا، وتجاربنا، وممارساتنا الثقافية"[4].
ثمة، إذن، مدخل جديد لا يمكن تجاوزه، مارس تأثيره حتى على أصغر التفاصيل وأقلها شأنا "وبطبيعة الحال، يتعلق هذا الإدراك بحقيقة الانحسار المتزايد للملكية المحلية من المساحات العامة بمعنى مادي مباشر يرتبط بعولمة رأس المال. ومن ثم يصبح لا فارق بين الهنا والهناك ويتحول المكان إلى شيء عائم غير متجذر، أو حسب تعبير توملينسون نكون بإزاء حالة من "اللاتوطين" بحيث يفقد الإنسان علاقته الحميمة والتاريخية مع المكان وخصوصيته، ويفقد حماسته للإرتباط بالحي أو المنطقة أو المدينة..أو الوطن، ويصبح ابنا "للامكان"لا تربطه أية صلة عاطفية بالمكان "واللاأماكن، كما يمكننا أن نرى،هي نواح محلية كئيبة تنتمي إلى الحداثة المعاصرة: أماكن تنطوي على العزلة (حتى في وجود الآخرين)، والصمت، وإغفال الهوية، والاغتراب وسرعة الزوال. إنها أماكن يكون فيها التفاعل وسائليا وتعاقديا –بمعنى تمجيد التعاقد- منسلخا من أية علاقة عضوية مع مجتمع يوجد في حالة استمرارية مع الزمن"[6]. إننا، إذن، بصدد ميكنة المشاعر الإنسانية التلقائية، التي تصبح شيئا من مخلفات الماضي، وينتهي التفاعل البشري المباشر.
أمعنت العولمة بوسائل اتصالها ووسائطها الحديثة في تدمير المكان، وحتى في طبيعة بناء المنازل ذاتها، حيث إن "منازل ما قبل الحداثة ]يقصد ما قبل الحداثة العولمية[ كانت بصورة شبه حصرية سياقات للتعاملات الحميمة للوجود"[8] وبطبيعة الحال لم يقتصر التأثير الحيوي للعولمة (وبغض النظر عن موقفنا المحبذ أو الرافض لها ولتأثيراتها) على طبيعة البناء المعماري والتصميم الداخلي (الديكور) الخاص بالمنازل فحسب، والتي استحالت مكانا كونيا أكثر منه محليا، ولكنه تعداه إلى كون المدن الآن، وبخاصة في المدن الكبرى، والتي توصف بالحديثة، أصبحت تتشابه مع بعضها البعض في كثير من ملامحها، حتى أن بعضها، أو على الأقل بعض تفاصيلها، تظنه مستنسخا من نسخة أصل مخفي في مكان ما.
وقد تجلت طبيعة التدمير العولمي للمكان والزمان في النص الشعري، بحيث أصبح عائما، فلم يعد ثمة مكان ولا زمان محددين، يقول محمد أبوزيد في قصيدة "قصيدة أكشن":
عمتم مساء يا أصدقائي
اخرجوا للصيد
وارسلوا لي على الـ facebook
أنا هنا مستمر من أيام الجاهلية
أقايض المستقبل برصاصة ستأتيني
بعد هذه القصيدة[10]، ولعل ما يحدث على مواقع على مواقع التواصل الاجتماعي من استخدام مفرط للغة الإنجليزية، وصلت إلى كتابة اللغة العربية بحروف إنجليزية، تمثيل واضح لهذه اللغة العالمية المبتغاة.
تضرب وسائل الاتصال الحديثة اللغة، بمفهومها الأبجدي والأجرومي التقليدي، في مقتل، إذ لا تتوقف كثيرا عند البناء التقليدي للغة والجملة، فلم تعد اللغة هي مجموعة الحروف التي تكون مفردة، ومجموعة مفردات تكون جملة، بل تعدت هذا النظام لتتوسع أكثر، وتعطي فضاء أكبر للصور والأيقونات والرموز، التي تساهم بقدر كبير في بناء النص، "فنظرية المعلومات لا تفرق بين كون الرمز رقما، أو حرفا، أو صوتا، أو لونا، أو إشارة كهربائية"[13]
هكذا ترى الذات الشاعرة، هنا، اللغة، حيث تتقارب اللغات، ويتم القفز فوق تبايناتها، ويمكن خلق لغة واحدة مشتركة، إذ "أن اللغتين ليستا سوى لغة واحدة"، هكذا يتم طمس اختلافاتها في جملة واحدة، وبعد اللقاء الأول على مواقع الإنترنت وغرف الشات المتباينة، وحتى هذه اللغة الواحدة ليست مقدسة ولا باقية، بل يمكن الاستعاضة عنها بالهمهمات، التي تصبح في هذا السياق لغة جديدة ومشتركة، بدلا من لغة الكلمات، وتصبح هذه اللغة هي المكان أيضا، فليس ثمة إمكانية للقاء الحقيقي جسديا، حسب ما تتشكك الذات الشاعرة، فتصبح اللغة هي المكان الذي يلتقي فيه العاشقان.
نهاية الإنسان
تفرض العولمة بوسائطها نمطا جديدا من الغياب، حيث يصبح حضور الإنسان محض حضور طيفي، فهو غائب رغم حضوره، ومستلب رغم ما وجوده، محض طيف يجلس وراء شاشة إلكترونية، ويبدأ في التشظي والاختفاء تدريجيا، ويفقد قدرته على الفاعلية، مكتفيا بوجوده الطيفي، ويصبح الشخص الآخر محض طيف أيضا، فهي أطياف تتحاور في فضاء مشترك، وينخلع كل طرف فيهم من تاريخه وهويته ومكانه وزمانه ولغته، مرتديا مسوح العالم الافتراضي الجديد، بما يخلق من هوية ولغة ومكان وزمان وتاريخ مشترك، ومن ثم يفقد الإنسانية إنسانيته الفاعلة، بل يصل الأمر إلى ضمور خلاياه وتآكل جسده، ويبدأ هذا التآكل بما أسماه نبيل علي "نهاية الذاكرة" والتي "يقصد بها أن الإنسان يوشك أن يستغني عن ذاكرته الطبيعية مستبدلا بها وسائل تخزين البيانات الإلكترونية"[15]
بدءا من عنوان القصيدة "مبررات للنسيان"، والتي تعتبر عتبة النص ومفتاحه الأول، تقدم الذات الشاعرة مبرراتها للنسيان وإعطاب الذاكرة، وكأنه شعار أو مانيفستو الحقبة العولمية، حيث لا وجود للإنسان بوصفه إنسانا، ولا حاجة للذاكرة، فكل شيء موجود هناك، في الشبكة الإلكترونية العملاقة، الذاكرة الضخمة والحادة للبشرية كلها، فكل شيء موجود هناك، تختزنه في خلاياها الإلكترونية، فليس ثمة داعٍ للذاكرة والتذكر. وتبدأ الذات الشاعرة نصها بجملة لافتة في تقريريتها "يقول موقع yahoo" وكأن موقع ياهو أصبح المرجع المعتمد، الذي يقرر للذات أفعالها ومشاعرها وطبيعة تعاطيها مع العالم، إنه يبدو كإله جديد، يقرر لنا ما يجب أن نفعله.
وكما رأينا هلاك وتآكل الذاكرة والتشكك في حقيقيتها وقدرتها على الموثوقية في مقابل الموثوقية التي تتمتع بها الوسائط الإلكترونية الحديثة، ما يؤدي في النهاية لاستغناء الإنسان عن ذاكرته شيئا فشيئا، واعتماده سياسة الاتكال على الذاكرة الإلكترونية الضخمة، كلية المعرفة، نرى أيضا عدم ثقة الذات الشاعرة في عينيها، ولا تعرف إن كان ما تراه حقيقة أم وهمًا، يقول علي عطا في قصيدة "قبل أن تغلق الماسنجر":
أولا
أنت ترى
لكن ما تراه
ليس سوى مجرد تخمين
[…….]
أو
أنت ترى
وقد لا يكون لبعض ما تراه
وجود على الإطلاق
لكن لا بأس
فذلك خير من أن تصدق عماك.
ثم من يدري
فربما والحال كذلك
يتساوى البعد والقرب
وقد لا تكون المسافات
سوى مجرد وهم
من صنع أيدينا
حتى لو وصمتك بالعمى
قبل أن تغلق الماسنجر[17].
ولعل هذه النزعة في إعلان موت الإنسان تبدو ماثلة، أيضا، في نص دال ولافت للشاعر ذاته، حين يقول في قصيدة قصيدة "أجلس على حافة الكرسي وأفكر في مصير العالم بعدي":
قلت من قبل إنني "إنسان آلي"
وأحب البطاطس
وسيء الطباع كغابة تركوها وحيدة في الظلام
[…………..]
كنت أفضل من قبل كثيرا
حين كنت آليا
ليلي يشبه نهاري
وسمائي واحدة
كنت أفضل
لكن تتبع ساعات اليوم كمنبه قلق على عقارب
كشجرة تنتظر المارة
يعجل إصابتي بالإنسانية
أريد أن أعود آليا
لا أعد ساعات الانتظار عبر الهاتف
أخلع الأرض من المجموعة الشمسية
وألعب بها الكرة في الفراغ"[19]
إننا إزاء نوع من التعليق على النص، وذات شاعرة تتعرى أمام القارئ، لتطلعه على رغبتها الدفينة في وضع عنوان آخر للنص، ويصبح الميتانص جزءا من الشبكة النصوصية. وبدا أن هذه الذات تخاطب القارئ وتبوح له، وتفضفض أمامه بما يمكن اعتباره كواليس كتابة القصيدة، حيث تتعامل الذات الشاعرة مع القارئ كأنهما في غرفة دردشة على الإنترنت، حيث يبوح الجميع بما يرغب في البوح به، ويقول ما يعن له، فالآخر محض طيف، وليس وجودا حقيقيا. ويقول لهذا القارئ على مفاتيح فهم ما يقصده ويحيله على اللينك المذكور، ثم يقول له في النهاية: "قلت لك اذهب" وكأنه يرى القارئ الذي لم يلب هذا الأمر فيكرره عليه، ويمكننا أن نتخيل ردا من القارئ على الذات الشاعرة، كأن يقول له "لن أذهب" أو "رأيته ولم يعجبني" أو "خذ هذا اللينك فهو أكثر مناسبة للقصيدة"، وهكذا يصبح القارئ جزءا من عملية بناء النص، وهدمه، ثم إعادة تركيبه، وله الحق في الإضافة للنص أو الحذف منه.
إن إحالة هذا الهامش إلى رابط إلكتروني، يجعل النص المقروء داخل فضاء الديوان محضة حلقة واحدة من الشبكة النصوصية، التي لن تكتمل سوى برؤية الفيديو الذي يمثل حلقة أخرى في الشبكة النصوصية، ومن ثم يجب على القارئ الذهاب إلى موقع اليوتيوب، الذي يمثل في هذا السياق الفضاء الإلكتروني المكمل لفضاء الديوان. وتختلف الشبكة النصوصية عن التناص المعتاد، ففي التناص ثمة نص رئيس، يتكئ أحيانا على نصوص أخرى، ليدعم بهذه التناصات مركزيته ووجوده كمتن مهيمن، وتظل النصوص المتناص، حال استدعائها إلى فضاء النص الجديد، محض هوامش ونوافل، في حين أن الشبكة النصوصية لا تنبني على ثنائية المركز والهامش، بل تسعى إلى تفكيكها وتقويض دعائمها، فليس ثمة نص مركزي وآخر هامشي، بل تتساوى النصوص كلها لتشكل، مجتمعة، الشبكة النصوصية.
من الافتراضي إلى الواقعي.. تمدد الحضور
تتجاوز قوانين ومواضعات الوسائط الإلكترونية الحديثة حدود الفضاء الافتراضي على مواقع الإنترنت، ويتمدد حضورها وصولا إلى الواقع الحقيقي، فلا يظل الوجود الشبحي والخيالات رهينة شاشة الكمبيوتر، بل تخرج لتمارس هيمنتها وحضورها في الواقع، فالإنسان الذي يموت في الفضاء السيبري لن يتمكن من استرداد حياته وفعاليته بسهولة في العالم الواقعي، والحواس التي تتآكل أمام الشاشة لن تسترد عافيتها ببساطة في الحقيقة، بل إن الذوات التي تعتاد الوجود الطيفي، ستظل ترى كل شيء بوصفه طيفا، وتمارس الحياة الواقعية بوصفها حياة افتراضية أيضا، فمواضعات وقوانين الشاشة تخرج لتتمشى على الرصيف، وتذوب الفوارق بين ما هو داخل الشاشة وما خارجها، فتدخل قوانين الواقع أيضا إلى الفضاء الإلكتروني، ويتماهى الهنا والهناك، ويصبح الواقعي والإلكتروني محض افتراضات، تقول هبة عصام في قصيدة "أخيلة مرصودة":
لبقايا قهوته:
بصمت يدخل رأس العصفور،
يرقب أخيلة الطيران،
يحكم النوافذ بأزرار "الكيبورد"!
ما كان رحبا لم يعد،
حتى الحروف التي تطنطن الآن
يتبعها "شاويش" إلكتروني..[21]
يبدأ المشهد الشعري من الواقع الحقيقي، حيث النادل والمقهى، لكن هذا النادل يعرف أن ثمة مقهى الفيسبوك، لذا حجزت له الذات مقعدا في الهواء، هواء الواقع الافتراضي ورحابته، حيث يتمدد الواقع ليمارس حضوره في الافتراضي، فيصبح الاتجاه هنا من الواقعي إلى الافتراضي، لكن ثمة اتجاه آخر مقابل، حيث يتمدد نعناع النادل، خارجا من الشاشة إلى المطبخ، هكذا يصبح حائط الجروب منصة لتثبيت وإعادة إطلاق نادل المقهي، عبر نشر صورته على الحائط مثلا، فيستحيل النادل واقعا افتراضيا، ثم ينطلق مرة أخرى ليتمدد في فضاء الذات وعالمها الواقعي، بعد أن أصبح طيفا سيبريا.
ثمة تمثيل أخير في اتجاه وحيد، من الافتراضي إلى الواقعي، حيث يصبح الافتراضي هو الأصل والواقع محض صورة، يقول علي عطا في قصيدة "بانتظار زائر سخيف":
"بالأمس
انتظرت طلتك طويلا
وفي الأخير
استسلمت لتقديم الشكر
لـ"العين السخنة"
ولزلة اللسان
وللأحلام التي
تتم حديثنا على الماسنجر
[2]– الثقافة العربية وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، دكتور نبيل علي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الثقافة الرقمية، العدد 6، القاهرة، الطبعة الثانية، 2012، ص 523.
[4]– الثقافة العربية وعصر المعلومات، مرجع سابق، ص43.
[6] – العولمة والثقافة، مرجع سابق، ص150.
[8] – العولمة والثقافة، مرجع سابق، ص77.
[10]– الثقافة العربية وعصر المعلومات، مرجع سابق، ص 237.
[12]– مدهامتان، مصدر سابق، ص 87.
[14]– الثقافة العربية وعصر المعلومات، مرجع سابق، ص 15.
[16]– تمارين لاصطياد فريسة، ص 25 وما بعدها.
[18]– مدهامتان، مصدر سابق، ص 117 وما بعدها.
[20]– أن تأكلنا الوردة، هبة عصام، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2011، ص 25.
[22]– تمارين لاصطياد فريسة، مصدر سابق، ص 33.

