-->

من كتاب "رائحة البارود"

بعد أكثر من ثلاثين عاماً على تأسيسها، لم يتبق من الجماعة الإسلامية سوى موقع على الإنترنت يحمل اسمها، وذكريات مريرة يرويها قادتها التاريخيون في الكتب والفضائيات، وبيانات كانت تتخاطفها الصحف العربية والمصرية، في البداية تستنكر أحداث العنف الدولية، حين وقوع أحدها، ثم أصبحت الصحف تتعامل معها بعدم اهتمام، من كثرة تكرارها، وتكرار ما يرد فيها كل مرة، من استنكار وشجب لأحداث العنف، وهو الأمر الذي قد يكون مؤشراً؛ لأن تكون نهاية هذا التنظيم قريبة، خاصة أنه أصبح بلا أعضاء ولا موالين، وانتفى سبب وجوده.

لكن النهاية، نهاية الجماعة الإسلامية الراديكالية ليست وليدة اليوم، فقبل عشر سنوات، صباح يوم 5 يوليو: 1997، وبينما كانت القاهرة في الخارج تغلي؛ بسبب التفجيرات العشوائية، وأعمال العنف بين الشرطة، والجماعة الإسلامية،  وأثناء نظر القضية العسكرية للجماعة الإسلامية رقم: 235، وقف محمد أمين، عضو الجماعة الإسلامية؛ ليعلن عن مبادرتها لوقف العنف، مناشداً كل الأخوة في الخارج الائتمار بذلك.

ربما لم تقصد الجماعة الإسلامية، منذ بدايتها أن تكون عنيفة؛ فقد كانت الدعوة هي هدفها الأول، ولدت الجماعة الإسلامية بداية السبعينات من رحم الهزيمة، فالجيل الذي يمكن اعتباره عمادها الأول، نشأ على هتافات الوحدة العربية مع سوريا، لكن لم يلبث أن صدمه الانفصال، حلم بالدولة العربية من المحيط الهادر وحتى الخليج الثائر، لكن تحول حلمه كابوساً، نشأ على صيحات الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، والتهديدات بإلقاء إسرائيل في البحر، وشاهد استعراض الصواريخ في البحر، لكن لم يلبث أن صدمته الهزيمة، والتي عرفت باسم: «النكسة»

هذا الجيل كسره موت عبد الناصر، والذي اعتبره الكثيرون موتاً لجيل بأكمله، وأربكه تولي الرئيس الراحل محمد أنور السادات الحكم، الذي لم يتخذ قراراً فورياً منتظراً بالحرب، وفي الوقت الذي كان فيه هذا الجيل الساخط والغاضب ـ بتيارَيْه: الناصري واليساري في الجامعات، مشغولاً بمظاهرات الطلبة: 1971، وبإشعال جذوة المطالبة بحرب فورية بين الطلبة؛ كان الرئيس الجديد محمد أنور السادات مشغولاً بالصراع، وبالقضاء على مراكز القوى، والتخطيط لأكبر خطة خداع لإسرائيل بأنه يحارب، وكان ما يثير غيظه ـ في تلك الفترة ـ هو الحملة التي يشنها عليه بقايا الناصريين واليسار، ومراكز القوى، وقوى التيارين في الجامعة، التي تؤلب عليه الطلبة؛ ولذا عندما عرض عليه محمد عثمان إسماعيل، أحد أصدقائه، ومحافظ أسيوط طوال مرحلة السبعينات، تنمية الجماعات الدينية الدعوية في الجامعات؛ للقضاء على التيارَيْن، رحب بذلك؛ على اعتبار أن المجتمع المصري متدين بذاته، وسيكون من السهل ـ في الوقت ذاته للجماعة للدينية ـ اجتذاب الطلبة من التيار اليساري وتكفير اليساريين، ورميهم بالإلحاد، وهو ما قد يكون كفيلاً ـ لدى بعض الطلبة ـ بالابتعاد عنهم، وكانت هذه هي بداية الجماعات، التي تطورت ـ بعد ذلك ـ إلى تنظيمات عسكرية انقلبت عليه.

ويذكر بعض الباحثين، أن الجماعة ولدت عقب اجتماع عقده السادات مع مستشاريه، ناقشوا فيه المشكلات التي تتعرض لها إدارة السادات؛ بسبب قوة التيار اليساري، وذلك على أثر المظاهرات العنيفة، التي قام بها الطلاب اليساريون احتجاجاً على سياسة الحكومة؛ فاقترح بعض الأعضاء، مثل: عثمان أحمد عثمان، ويوسف مكادي «المنيا»، ومحمد عثمان إسماعيل «أسيوط»، إنشاء تنظيم للجماعات الإسلامية في الجامعات؛ للرد على التيارات اليسارية في الجامعة، وأعلن بعض الأعضاء تبرعهم المالي للجماعات المقترحة، وأنشئت الجماعات فعلاً في ذلك الوقت.

رصد آخر للبداية، يقدمه صلاح هاشم ـ والذي يعتبره الكثيرون المؤسس الحقيقي للجماعة الإسلامية ـ في شهادته عن نشأة الجماعة الإسلامية، نشرتها مجلة «مواجهات»، يبدأه بتولي الرئيس السادات، فيما كانت السجون تعج بالإخوان المسلمين، الذين تكرر اعتقالهم، وتعرضوا لشتى أنواع التعذيب، الأمر الذي أحدث سخطاً عاماً بين فئات الشعب؛ نظراً لتغلغل الإخوان داخل المجتمع، فكان لزاماً على السادات أن يسعى؛ لامتصاص هذا الغضب الشعبي، ضد الحكم الناصري؛ فقرر الإفراج عن كبار السن وبعض قادة الإخوان، وحاول أن يعيدهم إلى ساحة العمل الإسلامي؛ بشرط أن يغيروا اسمهم، ولا ينضم إليهم أحد من أفراد التنظيم السري، ولكن الإخوان رفضوا ذلك؛ فلم يجعل لهم حزباً سياسياً، ولم يضيق عليهم، بل تركهم يتنقلون، ويدعون في معظم محافظات الجمهورية‏.

وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر؛ حاول الناصريون والشيوعيون السيطرة على نظام الحكم، وقد أثاروا بعض القلاقل التي نغصت على السادات، وجعلته يشك في معظم مَنْ حوله مِنْ رجال الحكم؛ حتى قام بحركة التطهير ضد العناصر الناصرية، وأحاط نفسه ببعض المستشارين المخلصين، الذين يثق فيهم، ولهم ولاء شديد له، وفي مقابل ذلك أفسح المجال، وغض الطرف عن الحركات الإسلامية؛ حتى يحدث توازناً مع تصاعد الحركة الناصرية.

Top