-->

مختارات من ديوان "سوداء وجميلة"

الدموع.. وربما بفعل السن

حتى لا نظلم أحداً

الدموع في محطات القطار

مغبرة بالحنين والعرق.

.

الدموع في المطارات

مغسولة

مثل قمصان جديدة

مطوية بعناية،

تختفي خلف عينين زائغتين

ويدين

واحدة تقبض على الحقيبة

والأخرى نسيت كيف تربت

أو ترد الحنان.

........................................

بووم.. بووم.. لكنه لا يخاف

وهكذا

مرت الثلاث سنوات

قبل أن أفتح عينيّ

مرت، ولم أعرف

إلا في اللحظة الأخيرة

حين لم يكن بإمكاني التراجع

أو الاعتذار

أو تهديد الزمن ببندقية جدي

مرت

وأنا ملقى هنا

مغمض العينين

لا شيء في ذهني

حتى القطة التي كانت تخمش الباب

رحلت

تاركة ظلها يحفر الأرض في يأس.

...........................

صفقة أمنيات مفقودة في المطار

بعد سنوات من المشي في الصحراء

لم أصل إلى واحة

لكني لم أتهم الكتب بالكذب

ورميتني بالنسيان.

لم تقابلني سحابة

ولا سفينة سوداء وجميلة

كما حلمت

لكنني عندما رفعت كفي فوق رأسي

صارت مظلة

لم أقابل جنية على النبع

لأني لم أجد نبعاً

فقط رمال ممتدة

وشمس تقتات من رأسي.

...................................

حكاية ممتدة

على هذه الطاولة

حكاية قديمة

نسيها نادل سابق

ربما مات،

أو أُغلق المطعم

لكن الحكاية باقية

تنمو مثل ناطحات السحاب،

التي تطاردني في الشوارع

تغلق نوافذها

في وجه الغرباء

وتلتهم المنضدة والمقهى.

تماماً.

..............................

مرآة

هنا يمكن أن ترى كل شيء:

هذا الرجل ترك أولاده يموتون

وجاء إلى هنا

حاملاً رءوسهم فوق كتفيه

ولم يلتفت إليه أحد.

هذه المرأة بلسانين

أحدهما أخذته على سبيل الاستعارة

من المكتبة

ولم تُعِدْهُ مرة أخرى.

هذا الطفل يحلم كل ليلة بالوحوش

ويستيقظ ليجدها تنام

على سلم المنزل

أما هذه..

فتجلس بهدوء

تقرأ كتابها

وشعرها الأسود الطويل

يسير على الأرض

حتى يصل إلى قدمي

ويجذبني

كأسير تجره الجياد

في صحراء طويلة

لا تنتهي.

.............................      

الصخب

المنظر من هذه النافذة رائع

انظروا

يطل على مقابر بديعة

تضج بالحياة

.

أقصد كانت هنا مقابر

لكن نمت بدلاُ منها أشجار مقلّمة

وزهور ـ للأسف ـ ملوّنة

وحدائق شاسعة

لا تطأها قدم

ونافورة تصب المياه، بلا كلل

ونخيل بلا تمر

ومدينة ملاهٍ صغيرة

لا يزورها أحد

.

لكنني رغم ذلك

لا أرى حياة هنا

لا أسمع دبيب الموتى في الأسفل

ولا احتفالاتهم القديمة

باستقبال ميت جديد.

........................

صبُّ اللعنات على رأس جيمس وات

يستيقظون مبكراً جداً

يفاجئون الشمس في نومها

يغسلون المدينة بعناية تامة

بأحدث أنواع المطهرات المستوردة من الخارج

حتى إذا استيقظنا في الصباح

انعكست الأشعة على زجاج

البنايات الشاهقة

فنفقد عقولنا

وتذوي ذاكرتنا أكثر

لكن ثمة قطعة هناك

في جانب الجسد الأيسر

لا زالت تدق.

............................

قبل حلول تاريخ انتهاء الصلاحية

عامل الفندق

الذي يسير دائماً منحنياً

من فرط الأدب

يداه معقودتان خلف ظهره

وابتسامته مثبتة على وجهه

بمسامير صغيرة لا تبين

يفتح الباب للسائح الجديد

ورقبته مشدودة إلى الأرض

عند ركوبه الحافلة

ينحني بحرص،

كي لا يتجعد الهواء

.

حتى عندما يعود إلى البيت

يطوي نفسه على رف الدولاب

ينام خائفاً

من أن يتكسّر "العمل".

...........................

قائمة محمد

ابتسامة عاملة المقهى

وشيش راديو الجيران في الصباح

حافلات المدارس،

بقايا كوب الشاي،

عطش،

"من فضلك اربط الحزام"

إغماضة عامل التنظيف المرهق

رباط الحذاء المفكوك دوماً

قميص أبيض وبنطلون أسود

ضحكة فتاة المصعد،

قبعة زرقاء ويد تلوح،

علامات الترقيم،

لغات متراصة في طابور المول،

درابزين السلم،

الدور الثالث،

الدور الأول،

حكاية لا أنصت إليها،

طمأنينة الصمت،

لا مبالاة الذوبان،

حقيبة أعلى الدولاب

أنظر إليها كل يوم قبل أن أنام،

وهذا الواقف هناك وحيداً

يضع يده فوق جبهته

وينظر للسماء:

...

..

أصدقائي

.....................................

تأكل الطير من رأسي.. فتصاب بتسمم

ثمة صوت في الخارج

أعرف ذلك

ربما ينادي عليّ

أو على كلبه الذي سبقه

في الشارع الممتد

أو على جاري الذي يسكن

في الدور السفلي

وينتظر بدوره

من ينادي عليه

فيسارع كلانا لفتح النافذة

وتفحص الشارع الفارغ

ثم تلتقي نظراتنا الجوفاء

كاصطدام قطاري بضائع

بلا سائقين ولا ركاب

ثم نغلق النوافذ مرة أخرى

.

ثمة صوت في الخارج

ربما صوت جاري

وربما هي الريح،

الريح التي تمر كل يوم

دون التفات لجثة كلب مرمية في الشارع

....................

أكليريك

كان هناك شرير أبيض

يجلس مع طيب أسود

ليكتبا حكاية للأطفال

الأمور لا تسير بهذه البساطة

فحتى من لم يبلغوا الثالثة

أصبحوا يعرفون الحقيقة

كيف يرصون الألوان كألواح خشب

للسقف

منتظرين الضوء الذي  سيسقط

على الأرض

ويغتال الجنيات

القهوة بردت

والسماء تصدعت

ولم تنته القصة.

..........................

لم أنتبه

العمال

فيزيهمالموحد

بلاملامحتقريباً

رواياتمنزوعةالأغلفة

ملقاةعلىرصيف

لاينتبهإليمحتواهاأحد.

................................

مثل شكة دبوس

في مرايا المصاعد

يتركون وجوههم،

أسنانهم التي يتفحصونها بعناية،

السواد أسفل عيونهم،

بعضهم يترك فمه مفتوحاُ

معلقاً في الفراغ وينصرف.

البعض يترك رائحة

عالقة تجبر المصعد على الصعود والهبوط

في جنون،

يخلّفون وراءهم حيواتهم

لا يعرفون أنها تخرج

حين أكون وحيداً

وتخيفني.

الذين يتركون أيديهم على أبواب المترو

جلودهم على مقاعد الباص

رءوسهم على مقاعد الحلاقة

أقدامهم على الطريق

أكثر رحمة

فقد تركوها في أماكن مفتوحة

لا تلفت انتباه أحدٍ

ولا تعذب الوحيدين

الذين لم يتركوا شيئاً

وظلوا كما هم داخل علباتهم

يتأملونني

روحاً تبحث عن أجزائها في الشارع.

Top