-->

مختارات من ديوان "مقدمة في الغياب"

ما لا أستطيع تذكره

الآن

بعد 20 عاماً من السفر

لم أعد أشعر بالغربة

لا تحتفظ عيناي

إلا بملامح مشوشة

للوطن

بيوت وطرق

ومارة في جلابيب واسعة

لا أتذكر أسماءهم

.

في زيارتي الأخيرة

لم أعرف أحداً منهم

ولم يعرفني أحد

كانوا ينظرون ملياً إلى ذلك المتأنق

أكثر من اللازم

كأنه ذاهب إلى الموت

.

الطرق الترابية نفسها

لم تتعرف على قدميّ المتخفيتين

في حذاء ذي ماركة مقلدة

والمسجد أسفل الطريق

لم يغير قبلته كما سمعت،

لكن أبوابه كانت موصدة

.

نسيت مواعيد القطارات

وتذاكرها السميكة كأوراق اللحمة

ووجدت الطائرات

بلا ماض ولا حاضر

بلا شعور بالغربة

بلا حنين إلى أي شيء

.

أسير في شوارع لا أعرفها

مثل ماكينة تتحرك في المصنع

وتُسقِط الصدأ

لا مشاعر في صدري

لا أغنية تهز لسان المزمار

حتى في اللحظة التي

أمطرت السماء جليداً

لم أكتب قصيدة جديدة كما تمنيت صغيراً

وضعت الثلج في فمي

كي لا يسمع أحد أنفاسي

خلعت قميصي

وسرت صامتاً.

...................

7 حي السفارات

المباني القصيرة الواسعة،

في الزمالك وجاردن سيتي،

التي ترفرف أمامها أعلام بألوان غريبة،

التي كنت أعتقد

أن بداخلها أناساً يصنعون الشاي

ويعدون أرجل النمل،

الآن فقط..

أعرف معنى لون جدرانها

وملمس حيطانها الباردة

والروائح المنبعثة من داخلها

رغم أن أحداً

لم يدعني لشرب الشاي

أو للاستفادة من خبرتي

في علم الجبر.

.....................

ما يتركه الأرق على جلدي

خلف هذا الحائط

توجد عائلة سعيدة

تصلني قهقهاتهم بالليل

وهم يشاهدون مسرحية

أتمدد أمامها على الكنبة

والكآبة تُجعّد وجهي

يلاعبون أطفالهم

فيما أحرق أصابعي

في طاسة المكرونة الساخنة

لا أفهم ما يقولون

لكن سعادتهم تُحرّك

ستارة النافذة.

.

ألقي نظرة كل صباح

على شرفتهم المغلقة بإحكام

وأنا أسير إلى العمل

يحرك الستارة رجل وامرأة

يتخفيان من الشمس

ويُنَكّتان

عن ذلك الغريب

الذي لا يجيد الطهي

....................

الصمت

على المقهى

تجلس لهجات كثيرة

تتشبث بمقاعدها جيداً

حتى لا تسقط.

.

ثلاث لهجات جلست على الكنبة

المطلية بالأصفر في المدخل

تدفع كل منها الأخرى

لتأخذ حيزاً أكبر

 .

أقدم القهوة للجميع

دون أن أنطق

...................................

كتاب الأجنبي

الأجنبي

يطفئ الأنوار

يضع القلوب المنهكة أماكنها

ويوصد عليها بإحكام

يختار الملابس، يقرأ الأوراق،

يحبس الذكرى في الدولاب

يرسل عينيه تودعان كل التفاصيل الصغيرة.

في المطار

يشد الباب خلفه جيداً

.

الأجنبي

يتعرف إلى غربته

في صالة المطار

بين الألسنة المختلفة والوجوه الملونة

حين يصبح كل ما فعل طوال عمره

مجرد حقيبة، ورقم رحلة،

صالة انتظار وميعاد وصول.

.

الأجنبي

لا يعرف الحب

يعرف النظرات العابرة

وحكمة الميت

الذي يتفرج على

العلاقات

مثل طفل في متجر ألعاب كبير

.

الأجنبي

لا يأكل إلا ما يعرف

لأنه لا يأمن جهله

لا يصدق إلا معدته

التي تخذله

طوال الوقت

.

الأجنبي

صديق نادل المقهى

صاحب الدراي كلين

عاملة مطعم الوجبات السريعة

الأجنبي أصلاً

بلا أصدقاء

.

الأجنبي

لا يتكلم كثيراً

مقتضب قدر الإمكان

يقول Yes, No, Thank you  بشكل مبهر

لكنَّ ثمة شخصاً

لايعرف غيرهم

.

الأجنبي

لا يتحدث

إلا مع سائقي التاكسي

يربط الحزام

ويسند رأسه إلى الوراء

ينصت إلى كلام لا يفهمه

ويقول كلاماً كثيراً

كثيراً جداً

لكنه لا يهتم هذه المرة

لأنه سيدفع  جيداً في النهاية

.

الأجنبي

لايحتاج إلى مطبخ

فالحياة بالنسبة له "بلوبيف بلوبيف"

لا يعرف أسماء المأكولات

أقصد لا يحبها

يترك العشاء طعاماً للنمل

ثم يناوله كوباً من الماء

ويتشمم رائحة الطعام القادم من بلاد بعيدة

.

الأجنبي

يفرح عندما يسمع لغته

في الشارع

يريد أن يهرول إليها

يحتضنها

يقبلها

يقول لها: يا بنت الكلب..

أنت رائعة كالملاك.

لكن المارة لا يحبون المجانين

.

الأجنبي

كفيف

يتحرك مثل كومبارس مجتهد

في فيلم صامت

تقول عيناه الكثير

لكن المخرج يبعد الكاميرا عنه

.

الأجنبي

يجلس على المقهى كأنه يقف

يكتفي بالفرجة على الأصابع

وتعبيرات الوجوه

يصبح معنى كوب شاي

دائرة مغلقة وإصبعاً يدور كمجنون

يضحى لكل نظرة مغزى

ولكل تنهيدة حكاية

.

الأجنبي

يعرفقيمة "سكايبمتأخراً

.

الأجنبي

لا يعترف بفروق التوقيت

يعودإلىبلدتهكلمساء

يسيرعلىأسطحGoogle earth

ويزحففيأحياءGoogle maps

يلف الشوارع شارعاً شارعاً

حتى يصل المطار

فيدير وجهه بعيداً.

........................................

No news good news

لا تفاصيل هنا

لا تفاصيل أعبئ بها ذاكرتي

لا شيء يحدث

لا شيء أكتبه في قصيدتي

لعبة بازل بلون واحد

علبة عصير لا تشعر بأي شيء

تجاه إخوتها في الثلاجة

أسير طويلاً

فتمحو الرياح خطواتي

السماء بلا نجوم

حتى لا أحفظ طريق العودة

الناس بلا أفواه

بلا أيد تكتب الشعر

حتى هذه القصيدة

قصيرة جداً.. لدرجة أني

لم أستطع مساعدتها على الوقوف

لتحيتكم

..

لاشيء هنا

فقط، طريق طويل يسقط من فوقه الناس

فلا يراهم أحد

من دون أن يتركوا حكاية

أو إناء فارغاً نملأه بالدموع عليهم

..

بالأمس

رفضت إدخال قطة شقتي

لأنني لا أريد صناعة ذكريات

تركتها تواصل السير في الظلام

إلى حيث النقطة الأولى

كأنها ممحاة تمر على العمر

حتى اختفينا تماماً.

Top