-->

مختارات من ديوان "مدهامتان"

الغابة الخضراء الواسعة

أريد أن أعود طفلا مرة أخرى

أحب،

ويتحطم قلبي الغض

أحلم بالكتابة والثورة

أعرف الفارق بين العدو والصديق

أتخلى عن حكمة الشيوخ

وأعود حيوانا بريا

يجري سعيدا في الغابة.

لو كان الأمر بيدي

لفعلت هذا الآن

لأسرعت إلى دراجتي الصغيرة

لأطلقت سراحكم جميعا

في الحقول الخضراء

التي تستلقي أمامي..

بلا نهاية

.................

ما لا أريد قوله

لم أولد وفي فمي ملعقة من ذهب

أو صفيح

لم أولد وفي فمي ملعقة من الأصل

لأنني بلا فم يا إخوتي

وما تسمعونه الآن

ليس إلا همهمات الأشجار المختبئة

من البرد والمطر

ليس إلا صراخ الظلام في حنجرتي

ليس إلا هرير القطة النائمة تحت قدمي

منذ واحد وثلاثين عاما.

............

أرص الصور بجوار بعضها فتكتمل الحياة

لعله لن يجيء اليوم

لكنني في الانتظار

أجلس في ركن المقهى

عكازي على قدمي

واللمبة مدلاة من الشمس

.

ينير النادل عيوني الزجاجية

يغير القهوة التي بردت

أعد البناطيل المارة.. والأيام المرة

أضحك على الجناس الناقص دون صوت

لو كانت بي قوة لصَفّقْت

فأنا لا أحب القهوة

لكنه الموت..

الذي يشل قدرتي على الضحك.

............

ولد يتثاءب وينظر من الحافلة

هل كان مالكوم إكس طيارا؟

هل حلم وهو طفل أن يجالسني..

في البار،

ويقتسم معي البقسماط والشيبسي؟

بالنسبة لي..

لم أحلم أن أسير في هذه الشوارع

أو أسكن قلب روزا لكسمبورج

فقط..

كنت أريد صنارة

وكتابا أربي فيه السمك الصالح

أعاتب لينين

وأُخفي الكُرهَ من عصابة القناع الأسود

يحملني المارة على الأعناق من أمام الجمعيات التعاونية

إلى ضريحي، حيث النوم والضحك

...

ما أمتع أن تجلس في الحياة

بلا رفيق معك.

.....................

دقات قلب المرء قائلة له*.. أنا وحدي في الفريزر

أخرج الأشياء من الثلاجة وأبدأ العمل:

الطريق أمدده حتى السماء الثالثة

الموسيقى أخرجها من الكيس

وأملأ بها أذني

المدرسة أضعها أمامي

وأقف وحدي في طابور الصباح

الناس أرصهم في الحافلات والمقاهي وغرف النوم

القرود.. فوق الأشجار..

وأغلق عليهم الغابة جيدا

القمر.. في منتصف السماء تماما

وأكمله بالثلج

الليل أغطي به قدمي البردانتين

.

أضبط برودة الثلاجة

وأترك قلبي وحيدا في الداخل

خائفا عليه

من عواء الريح في الأفق

.................

أف .. المصعد متعطل كالعادة

سكان الأدوار الأخيرة

في ناطحات السحاب

يدعون الشمس كل يوم لتناول الإفطار

يمسحون دموعهم بسحاب كالعهن المنفوش

وفي الليل يضيئون شموسا صغيرة

تعمل ببطاريات

اشتروها من الجنة

.

سكان البدرومات

يأخذون كرات أولادهم

التي اتسخت

من كثرة اللعب في الشارع

يرفعونها كل مساء

قمرا ينير طريق الليل في عودته

.

البعض يفضلون أدوار المنتصف

القريبة من كل شيء

يضيعون أعمارهم على السلم،

يقرءون ميكي جيب وهم يحتسون "البريل".

فيما تراقبهم الوجوه المعلقة على الحوائط

يطرقون إلى الأرض

يتعذبون من حمأ الشمس

وبرودة الطين اللازب

يغلقون نوافذهم جيدا

يخططون لشراء مقابر مناسبة

يُقَيّدون الزمن في مقبض الباب

يربتون على كتفه كببغاء أخرس

يفعلون الأشياء نفسها يوميا

لا يشعرون بالعمر الذي يمضي

ولا بالببغاء الذي صار فمه مقبرة جاهزة.

...............................

وحدي في المنزل

في اليوم الأول لتركي العمل

لم يستطع هاتفي تحمل كم الاتصالات

فسقط على الأرض يلهث

.

بعدها بأيام

كان النوم يصاحب هاتفي قليلا

وعندما توقظه مكالمة

يحاول إطالتها بقدر الإمكان

.

الآن

يضع يده على خده

ينظر إلىّ وأنا أكتب القصيدة

.............................

أنا خائف يا أليس

1

اليوم فقدت الأخضر

وبالأمس الأزرق

لم تعد هناك سماء، ولا حقل ذرة

لا يرقات، ولا غابات أمازون

الأحمر يستلونه مني

ولا أقوى على الذود

2

أضع يدي فوق جبهتي

وأنظر من أعلى للعمر الذي ترك يدي

وهرول بعيدا

أبحث عن ولد كان يسير هنا أمامي..

واختفى.

كنت أرعاه بألوان عيني

أبحث عنه في الكتاب المصفر

أحاصر روحه

بخطوط يدي الباهتة.

3

أَكتبُ (لا)

وأضعها بين قوسين

أغلق القوسين فيصيرا دائرة

أظللها.. تصبح كرة

أركلها.. تخترق النظارة إلى عيني

وتسقط الأبيض.

4

كل يوم

أستيقظ مبكرا لأكتب قصيدة

أمزقها في المساء.

ذات يوم،

بعد أن أنهيت أعمالي الكاملة

قررت ألا أستيقظ.

في الحلم

كانت لفائف الورق

تمشط ذراعي

بقلادة من نار

5

الآن..

وأنا أقترب من نهاية العمر

تتكاثر النظارات بلا جدوى

تتجمع في حِجري كبيضٍٍٍ فاسد محطم

تغدو الحياة مثل الذكريات

بلا ألوان تقريبا

فقط المرارة تختلط بالدموع

فقط الحنجرة تتحجر

ولا أقوى على الصراخ

6

عندما أعود صغيرا

سأعيد قراءة كتاب لم أكمله

وضاع  مني

سأتوقف عن مطاردة دود القز، وأفراس النبي

سألعب ..

ألعب حتى تُبْرى قدماي

أحتفظ بقصائدي الأولى التي مزقتها

أمسح جبهة حماري الذي ضربته

اشتري عينين جيدتين من البائع الذي يلف في الشارع

أبكي أكثر على قطتي حتى تعود من الموت

أهرول كي أنقذ كرتي من السيارة المسرعة

عندما أعود صغيرا

لن أصبح كبيرا 

سأطلب من الله الذي يزورني كل ليلة

أن يزورني الآن

كل ليل

7

مع الأيام

أتحول لصورة معلقة على الحائط

لا أهش على غنمي

ولا التراب من على حواجبي

تتغذى ذاكرتي على النسيان

تسقط اللقمة من فمي

أنسى أين تركت عينيّ

وانصرفت باكيا.

يقول الحسن البصري:

"اعتزلنا واصل"

8

أصبحت أخاف

الكلاب الساكنة والمراهقين

أهتم بالنظارات وقياس الكوليسترول

بمصادقة  طبيب عظام جيد

بأسعار المقابر في صحف الصباح

أصبحت الأشياء العادية مستحيلة

وكوب الشاي أبعد من المطبخ

رتيب كاهتزاز القطارات الفقيرة

مُرٌ كفقدان الأحبة كل أسبوع

بعيدٌ ..

بعيدٌ  كالحياة.

.........................

السعادة الحقيقية  تجدونها في هذه القصيدة

لأنني أحبكم

أريدكم أن تموتوا الآن

أريد أن أمشي خلف جنازاتكم

واحدا وراء الآخر

كإله إغريقي يدفن نصفه البشري في رضا

.

أنتِ بالذات ..

نعم أنتِ

يا من تقرءين الآن

وتبتسمين..

سأكون سعيدا وأنا أغلق عينيك عن هذا العالم

هناك ستكونين بمأمن

سأتنهد بارتياح

وأنا أضع آخر طوبة أمام فتحة القبر

أبكي قليلا أمام الشواهد

أتمدد على الأرض

وأشد السماء على جسدي 

أطلق رصاصتي الوحيدة

بهدوء إله قعيد..

يعرف أنه لن يصعد

الأوليمب مرة أخرى

Top