-->

مختارات من ديوان "مديح الغابة"

حنا السكران

(1)

لأنه كان طويلا

فلم يحلم  يوما بامتلاك طائرة

ولا بمصارعة نملة

كان يضرب على صدره كالغوريلا

ويقول: أنا شاعر

أكره الورد

ومسيلمة الكذاب

والذين يموتون بالأجر

ليوهمونا بثلاثة أشياء:

الأول: أنهم يفعلون ذلك بكامل إرادتهم

الثاني: لكي يعرفونا معنى الحياة

الثالث: نسيته

.

لأنه كان طويلا

أصبح الضحك يؤلم عينيه

فقط ..

يقف خلف قميصه

يحكى للمارة بزاوية فمه اليسرى

عن العذراء التي تجلت له

في صحن الجامع الأزهر

عن كراهيته الكتابة

بالأسود.

         (2)

كل يوم يصوم حتى الظهر

ينتظر في رضا نوبة السُّكّر

يعانق صاحبه – لما يلقاه – ليفترقا

يضع يده في النار

ليحس بوجوده،

بأنه جدير بالكحول النائم

تحت السرير

ينتظر فى رضا

يفرق شعره من الجنب

يصر على أن اقتراح الرفض ..

لم يخترعه الموتى

 .

قبل أن يصعد قال:

أخشى أن يجرح الهواء

رقبتي

قبل أن يصعد قال:

بطولاتي التي رويتها لكم

كلها كاذبة

         (3)

لماذا كان يحب فيروز؟

......................

كرابيجهم لم تزل تنام على ظهره

كل ليلة يفعل هذا:

قبيل الفجر

يضيء مصباح الصالة

يغلق الأبواب والشبابيك

وأنبوبة البوتاجاز جيدا

يشد الغطاء على كتفي زوجته

حتى لا تفزع

يرتدى بلوفرين

يجهز بطانية، وغياره الداخلي

ينير لمبة السلم

حتى يروا باب الشقة فلا يزعجوا الجيران

يودع أباه الذي يغفو في برواز أسود

ثم يجلس

منتظرا دقاتهم

.......................

سامحوني .. جثتان فقط هذه المرة

                                                     

         (1)

سمتني أمي: ابن موت، ثم ماتت

فظل أبى عشرة أعوام لا يراني

رغم أنى أقاسمه السرير

ولا أناديه : يا أبى

رغم أنى أقاسمه الخرس

المرة الوحيدة:

حين خلع الحائط

من خلف صورة أمي

وحط بدلا منه

شهادة الوفاة المعتمدة

قبل أن اكلمه

كان يخطط لإطفاء النور

حتى لا يستدل صوتي عليه فى العتمة

وهمس لملاءة السرير الجديدة:

"الحائط الذي أمام البيت

يجب أن يهدم

ويقام بدلا منه صرح"

لعلى أطّلع إلى برج القاهرة.

ثم ألقى إلى فأسا شج رأسى نصفين

الدم الذى سال كعلامة النصر

استقبلوه في كؤوس ملونة ببهجة

دون أن يفكروا في إخفاء جثتي

أو نشر نعى مناسب

أو التكفير – على الأقل –

بزيارة ضريح جمال عبد الناصر

(2)

أمي ..

رسمت بدمي

قمرا غير مكتمل

وتركت النصف الآخر من القارة مظلما

حتى سموا سكانها الزنوج

أمي ..

كانت تتمرن يوميا على الطريق إلى القبر

حتى لا تتوه فيما بعد

كنت أسير وراءها

لاحسا التراب بلساني

مدعيا الطيران تحت الأرض

خنقت ذات مرة كتكوتين

وأخفيتهما تحت إبطي

أمي قالت : ابن موت

فظللت أبكى حتى خرجوا بها

وعندما عادوا بالنعش فارغا

كان الكتكوتان

قد منحاني ريشهما عن رضا 

أبى؛

كان من هواة صيد العصافير

والشعراء الذين تنبت لهم قصائد

في أجنحتهم

ليخربشوا بها الهواء .

أبى:

لم يميز ملامحي

ولم يسمع "بوم ، بوم" 

فقط

نفخ في مقدمة البندقية

كما يرى في الأفلام الأمريكية

وهو يتحسس زنادها

بطرف إصبعه

فقط

هرول حتى الجثة الملقاة

.

"كان ميتا أصلا"

قال أبى.

..................

                  طبعا "الميت" اسم مناسب لهذه القصيدة

                 

المشنقة التي علقها

في مقدمة الشباك

لم تخف حتى الذباب

فقد ظل كل ليلة

يجيء

وينير الحجرة.

 

Top