-->

فصل من رواية "أثر النبي"

يوقظنا يوسف في الخامسة فجرا:

ـ اصحوا .. العراق انضربت.

بعدها بعشرين يوما كانت الدبابات الأمريكية قد استقرت في قلب بغداد ، وصور الفوضى استوطنت الصحف وقناة الجزيرة ، ويأس استوطن قلبي، حتى صوتك يا زينب لما جاء عبر الهاتف مترددا خجلا :

ـ مش هترجع

ـ مش عارف

أغلق الخط وأنا لا أعرف ماذا أفعل ، المظاهرات ليست ذات جدوى ، وعم رجب طرد اثنين من الدار لاشتباهه في أن لهم نشاطا سياسيا.

توقف الشيخ أحمد عبد التواب  عن الدعاء على " أحفاد القردة والخنازير" عقب الصلوات ، أصبح يختم صلاته  في الطريق إلى المقهى الذي يعرض مشاهد السقوط ،  " آمين " التي كانت تهز المسجد بقوة وراءه خمدت بعد أن دخلت أمريكا قلب بغداد ، قابلته جالسا على باب المسجد لا يعرف كيف يجيب على أحد المصلين اليائسين :

ـ هو ربنا مش عاوز يستجيب لنا ليه ؟ 

الأستاذ أحمد مدير السكن جمعنا فوق السطح وقرأ لنا عمود أنيس منصور من الصفحة الأخيرة في جريدة الأهرام الذي يتحدث عن أهمية السلام، وأن الطلبة يجب أن يتفرغوا لمذاكرتهم وليس للمظاهرات أوأي كلام فارغ آخر، الأستاذ أحمد كما لم يفعل من قبل، خلع ساقه البلاستيكية أمامنا، وأخبرنا أن هذا من الحرب، الأستاذ أحمد هدد من سيعرف أن له أي نشاط سياسي بالطرد من السكن .

أتركهم وأنام طوال اليوم هربا من التفكير في العجائز والشيوخ والنساء والأيتام ، أجهز حقيبة سفري ، أضع الكتب والصحف التي تحكي سقوط بغداد  في كرتونة مستقلة استعدادا للطرد في أية لحظة.

سهرتنا اليومية أنا وهياكل وحمدي وأبو العزايم والشيخ سيد ويوسف انقطعت , أصبحنا نلتف حول البي بي سي بحثا عن خبر جديد ، نتبادل الجلوس على المقهى الذي ثبت التليفزيون على قناة الجزيرة ، نعود لنحكي للباقين مستجدات الحرب .

توقف حمدي عن سماع نجوم إف إم ، ولم يكمل الشيخ سيد نكتته الجنسية التي ألقاها خجولا:

ـ مرة واحد كان عاوز يجامع أهله..

حينما قاطعه هياكل ساخرا مندهشا:

ـ أهله كلهم يا شيخ سيد؟

كانت الامتحانات قد اقتربت وبدأ الطلبة في الدار في بيات جماعي للمذاكرة يتخلله لعنات تنهال على رأس أم الدكتور الذي لا يراعي الله.. وحدي كنت أسير في الشوارع أهتف في يوسف:

ـ أنا حاسس إن الناس كلها مبرشمة.

أتابع الأخبار في بغداد والفلوجة وكوكوك ، المذابح و الانفجارات التي تتتابع يوما بعد يوم.. حين دخلت الجامعة هالني العدد الكبير للطلبة الواقفين يحملون لافتات تستغيث بصلاح الدين وعمر بن الخطاب.. اقترب منهم وأهتف معهم، تلتف سيارات الأمن المركزي والعربات المصفحة حول الجامعة يحاصرنا الجنود وكلاب الحراسة تواجهنا فوهات البنادق ، و ضابط بشارب رفيع طويل يشبه ذيل الفأر يصرخ فينا وينظر إلينا كأننا أسري حرب.

خلع يوسف قميصه وبقلم فلوماستر من مكتبة الجامعة رسم خطين متوازيين بينهما نجمة سداسية وهو يشعل النار في طرفه ، كان يدرك أنه سيرجع إلى البيت بالفانلة الداخلية مستقبلا نظرات المارة وركاب الأتوبيس وبنات الثانوي بنظرة تائهة وربما ابتسامة.. حتى حين تزعق أخته الكبرى فيه بأنه لم يعد يملك سوى قميص واحد، وتذكره بأبيه الذي هج، سيبتسم وهو يشعل بالقداحة طرف القميص.

نقفز من فوق السور هاربين تاركين الأمن المركزي يحاصر الطلبة المعتصمين لمدة ثلاثة أيام، نهرّب لهم الطعام من فوق السور ، من بين فتحاته نشد على أياديهم ، تشتعل المظاهرات في كل مكان ، أغلقوا شارع الأزهر من أوله إلى بداية شارع الدراسة،  أغلقوا الجامع الأزهر وحاصروا المصلين داخله ، ولما سألت عجوز تمر بجواري أحد العساكر :

ـ انتو عاملين ليه كده يا بني

أجابها :

ـ علشان المظاهرات يا حاجة

ـ طب بدل ما تحاصروا دول ، روحوا لإسرائيل.

كنا نوصل الطعام يومياً إلى الطلبة المحاصرين .. وأشعر أنني قد بدأت أتصالح مع الناس، مع الشوارع، مع الكباري، مع البنايات العالية ، مع البيوت المظلمة المغلقة.

أرجع لأنام مجهدا.. لا أستيقظ إلا على الدق الذي بدأ قبل الفجر.. الدق الذي انهمر بشدة وبعنف على الباب وأيقظنا جميعاً لنحدق في وجوه بعضنا متقابلين فزعين

لقد جاءوا..

لقد جاءوا يا زينب

عم  رجب اختبأ في حجرته ، أغلق بابها بالترباس من الداخل ، أطفأ النور ، وضع أذنه على الباب يرى ماذا سيعقب الدق.

الدق الذي جعل الشيخ سيد يقفز كالملسوع وهو يجيب على سؤال الضابط:

ـ اسمي سيد قطب يا باشا

لينفعل حمدي ويصرخ فيه: يا خي غير اسمك، حتودينا ف داهية

أجرأنا عادل هياكل تطوع بالرد:

 ـ والله يا باشا أنا ما ليش دعوة بأي حاجة غير م الكلية للسكن ومن السكن للكلية دي نمرة واحد، خش على الشيخ سيد ده راجل كل همه ياكل الأكل كله وينام وبطنه مليانه يعني خد روحه وما تاخدش رغيفه، ويوسف اللاسع ده راجل فقير متشرد لا يجد قوت يومه متصوف زاهد في الدنيا بيمشي وبيقع على وشه وما لوش دعوة بالسياسة، وحمدي ده بيبيع كلوتات وسنتيانات في العتبة وبيعاكس اللي رايحه واللي جايه ومالوش دعوة بأي حاجة .

يصمت ليبلع ريقه ويشير إلى "  و ده نفسه يهج م البلد وطول الليل قاعد يكتب رسايل لأصحابه بره عشان يبعتوله فيزا ومش فاضي لسياسة ولا دياولو ، وأبو العزايم ده شاحت موبايل بدون رصيد ولا ما عرفش لاقيه وما فهوش حتى دقيقة بخمسين قرش يعني هو مش فاضي للسياسة،.. بالذمة يا باشا دي أشكال بني آدمين ليها دعوة بالحياة أصلا ، عشان تتكلم في السياسة "

عيوننا تدور في أحداقنا وعادل يواصل تبرئة الواحد منا تلو الآخر، ألسنتنا خرست.. لم يجدوا ما يبحثون عنه.. لكنهم أخذوا الشيخ سيد للحيته الطويلة.. وأخذوا قلوبنا وأمننا ونظارة عادل هياكل المستوردة ، ثم عادوا ليأخذوه ليقضي أسبوعا كاملا رجع بعده وقد دق المرض أوتاده أكثر في جسده .

انتشرت شائعة في المبنى السكني بأن أي أحد يحمل كارنيه جامعة الأزهر سيتم القبض عليه ولن يرى الشمس مرة أخرى ، سافر جميع من في الدار ،  وربما هربوا ، حتى حمدي الذي ظل صامتا تماما ليومين بعد أن رأى من النافذة في الثالثة مساء البنت التي أحبها تمارس السحاق مع صديقة لها ناسية الشباك مواربا .

تركوني وحدي في الحجرة ، تعاودني الكآبة مرة أخرى ، أفتقدهم بعنف، أفتقد هزلهم وضجيجهم .. يقتلني الفزع على مصير الشيخ سيد واحتمال أن يرجعوا مرة أخرى ، يدقوا الباب عليّ فيقتلوني حين يجدوني وحيداً ، متذكرا قصص رمضان عن أخيه ، والذي لا أعرف لماذا هرول خلفي كل هذه المسافة حتى يخبرني بحكايات ليس لي شأن بها .

أعود لعادة إطفاء الضوء والجلوس في ركن الحجرة ، أنزل إلى ميدان العتبة أحدق في وجوه الناس مفزوعاً ، أمسك لساني في آخر لحظة عن الصراخ ، أعود من حيث أتيت .

تتصل بي زوجة عمي لتخبرني أن هناك عريسا تقدم لك، أن أباك وافق، و أنني " لازم تعمل حاجة " . ما يحدث في العراق لن يقنع زوجة عمي بشيء ، وصمتنا ونحن نرى كل شيء يضيع على الهواء مباشرة ونحن نحتسي الشاي البارد على المقهي ونحدق في الشاشة لن تتفهمه ، والنقود التي كنت أدخرها بدأت أصرفها في يأس ، والأستاذ أحمد لما دخل ووجد علم العراق معلقا على الحائط ، جاءه صوت أبو العزايم يخبره أنني أنا الذي وضعته، أما يده التي عبثت في أوراقي المتروكة على السرير من أول أمس فقد وجدت رسالة قديمة من هشام ، ومشروع مقالة لم أرسلها لجريدة العربي الناصري عن تخاذل الحكام العرب علها تنشر في بريد القراء.

عم رجب جاءني بعد صلاة المغرب ، يستدرجني للحديث في السياسة ، لكنه كان يسمي المروحيات الأباتشي: مراوح توشيبا، وينطق اسم كولن باول : كالون باب ، ثم انصرف ليلحق مباراة الإسماعيلي في المقهى الذي امتلأ عن آخره.

أخرج خلفه لأسير في شوارع أعرفها وأخرى لا أعرفها ، أريد أن أتوه وأنسى كل ما يحدث ، لا أعرف ماذا أفعل ، أهاتف محمد خليل ويوسف فلا يردان، أجلس على مقهى متطرف متأملا وجوه الناس البائسة المكتئبة ، حين أعود أجد الأستاذ أحمد قد ترك لي تأمين الإيجار مع عم رجب :

ـ احمد ربنا ، ده أحسن ما يبلغ عنك ، فيه تعليمات بكده .

استأذنه في البقاء يومين آخرين ، يومين فقط  أدبر فيهما مكانا جديدا، فيوافق ، أخرج شاعرا بغربة ، أخرج مطرودا مدحورا ، جسدي يضغط على روحي بعنف ، أمسح بعيني منطقة الغورية، الأبواب ، الشبابيك ، الخيامية ، العطارين ، مآذن باب زويلة ، المطاعم، باعة الجرائد والعصير، استنفار ونكد على وجوه الرجال ، وحزن فطري على وجوه النساء ، نهود نافرة لبنات تهدلت ، زغب خفيف فوق وجنات أولاد لا يضحكون .

اليوم التالي كان الجمعة، ميعاد  مظاهرة ضخمة في ميدان التحرير، تنتهي بإحراق سيارة مطافئ ، في جرائد السبت : كانت صور المظاهرة في صدر الصفحات الأولى ،  كانت صورتي بعروق وجهي النافرة وأنا أهتف في طرف صورة في الصفحة الأولى من جريدة الوفد.

لم أفعل شيئا، فقط لساني ينطلق مع الهتافات ، " الجهاد الجهاد .. شدي حيلك يا بغداد "  ، أجري بعيدا عن هراوة عسكري ، " يا مبارك فوق فوق .. بكره الضرب ف باب اللوق " تهوي على قدمي ، " يا للعار يا للعار ..باعوا الوطن بالدولار " ،  أصرخ من الألم ، " اللي بيضرب في العراق .. بكره هيضرب في الوراق " أجرجر ساقي ورائي ككلبة عرجاء يائسة ، " يا صحاف فينك فينك .. العلوج بينا وبينك " ، أهرول من شارع شامبليون لشارع معروف لشارع عدلي هربا من الهراوات ، أهرب من لاشيء إلى لا شيء ، في المساء أقابل محمد خليل على مقهى التكعيبة ، بعد انقطاع ، كان يائسا :

ـ تفتكر فيه فايدة

كان الشاي بحليب قد برد ، وكنت أرتدي قميصا خفيفا على اللحم ، تمزقت ياقته ، كان منفعلا فخفت عليه ، حاولت أن أغير الموضوع لكنه أصر:

ـ اشهد، النهارده تمانية إبريل 2003 السقوط الأخير للعرب

أتركه وأنصرف ، لا أرى أمامي، أستند إلى الحوائط كي لا أسقط ، العادة التي لازمتني طويلا منذ لطمني أبي بقسوة وأنا صغير فاصطدم رأسي بالجدار، حتى صرنا إخوة ، وصار دمنا واحدا.

أقرر العودة إلى الغورية لآخذ حقيبتي وكرتونة الكتب ، لا أعرف أين سأذهب بعدها ، أجد المبنى هادئا تماما ، بعض الطلبة طردوا ، ومعظمهم عادوا إلى قراهم حتى تنتهي المظاهرات و" القلق " كما نصحهم عم رجب .

لا أجرؤ على إضاءة  المصابيح في صعودي ، تصطدم قدمي بحافة السلم ، آهة مكتومة تصدر تتحول إلى رعب يشل وجهي ، وأنا أدفع باب الحجرة وأنظر إلى الداخل ، كان عادل هياكل ملقى على الأرض ، وبركة من الدم المختلط بالقيء أمام سريره ، أتجاوزها ، إلى جثته الباردة .

Top