-->

سوداء وجميلة.. قصائد ما بعد نهاية العالم

 

رؤية: مجدى عبد الرحيم

فى ديوانه الجديد "سوداء وجميلة" يواصل الشاعر محمد أبو زيد تغريده خارج السرب  وتحليقه فى فضاءات رحيبة بعزفه الماهر الموجع المؤلم المنطلق عبر آمال وأحلام متعبة مرهقة حزينة مغتربة منهكة لكنها  تفيض حبًا وعشقًا ومحملة بكل ماهو حميمى وحقيقى وصادق، قصائد أبو زيد هى الوردة والبسمة والقلب المفتوح للجميع، دافئة محبة غير متصنعة ولا متكلفة  تنساب رقراقة كماء جارصافى يتوغل ويتسلل عبر مشاعر وأحاسيس نابعة من قلب يمتلئ شوقا واخلاصا ووفاء لكل ماهو إنسانى وجميل ونبيل، والمتابع لمشروع أبو زيد الشعرى عبردواوينه بداية من ديوان "ثقب في الهواء بطول قامتي"، "قوم جلوس حولهم ماء"، "نعناعة مريم" ،"مديح الغابة"، "طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء"، ورواية "أثر النبي"،  و"مدهاماتان"، "مقدمة في الغياب"، يدرك تماما أن عالمه الإبداعى يمثل أيقونه  شديدة الرهافة والنعومة والصدق والبراءة والنضوج عبر مرايا كاشفة وعين خبيرة فاحصة متأملة تنطلق من ذات مشغولة دائمًا بكل مايمس النفس البشرية.

وفى ديوان" سوداء وجميلة"  الصادر عن دار شرقيات، نجد العديد من الملامح والسمات بداية من اسم الديوان الذى يجعلك تتساءل عن مدى ارتباطه بالقصائد، وتحاول معرفة ذلك  خلال فصول الديوان السبعة وهى: الهوامش، كتاب الإنسان (الذنوب الكاملة)، كتاب الحيوان، جثث لترويع القلب، القصائد الفرنسية، المتون، القصيدة الأخيرة. ويحتوى على سبعة وثمانين قصيدة تتراح مابين الطول والقصر وقصيدة الومضة، وتحاول معرفة مغزى التقسيم فهو لا يأتى اعتباطا، بل وفق رؤيا ومدلولات داخل متن القصائد، مثل أن  يبدأ بـ "الهوامش"، وينتهي بالمتون"، على عكس المتبع عادة في الكتابة وكأنه بهذا يريد التأكيد على أهمية الهامش، وأيضاً قسمي "كتاب الإنسان" و"كتاب الحيوان" المتناليين، وإلحاق الذنوب بالأول، كما أن الفصل الأخير "القصيدة الأخيرة"، وهي العادة التي يتبعها أبوزيد في دواوينه الثلاثة الأخيرة، واللافتت أن القصيدة الأولى في الديوان تتحدث عن كتابه السابق، بينما تتحدث القصيدة الأخيرة في الديوان عن كتابه القادم، وكأنه يريد التأكيد بأن هذا سطر في كتاب يكتبه كتاباً بعد الآخر.

والمدهش أن الفصول لا تحمل عددًا متساويا من القصائد ، فهناك فصل مثلًا يحتوى على ستة وعشرون قصيدة، وآخر يحتوى على سبعة قصائد فقط، وفصًلا اخر يحتوى على قصيدة واحدة  طويلة نسبيا، والفصل الأخير يحتوى على قصيدة واحدة وبالغة القصر، ممايدلل على مايعنيه الشاعر من وصول الفكرة والجوهر بعيدًا عن الشكل العادى والمألوف، و ربما يحفزك ذلك على الاستعداد نفسيا ومعنويا  للولوج داخل الديوان .

من البداية وفى مدخل الديوان يتربص بنا أبو زيد ويضعنا عبر القصيدة الافتتاحية على أسنة الرماح ويعرى المجتمع من ورقة التوت ويعدنا بقراءة تتطلب منا الترقب والقلق والتوتر وشحذ الهمم يقول فى مفتتحه: "مات الكهول في الجنازات/ على مقاعد الباص/ في طوابير البريد/انفجرت الأجنة في أيدي الأطباء/والتلاميذ على مقاعد الدراسة/ والفلاحون أمام عناقيد العنب/ تَهَشّمَ لاعبو الكرة/ ومغنو الأوبرا/ وسائقو الطائرات البرمائية/ تلاشى المارة/ ومتابعو المسلسلات/ والعشاق على صدور جلاديهم/ انتحر المؤلف والناقد/ ونادل المقهى/ ولم يبق سواكم في هذا العالم/ فماذا ستفعل وحدك/ يا قارئي المسكين؟".

ثم يقدم لنا أبو زيد اعتذارا رقيقا على أن العالم لم ينته بعد كما تنبأ فى ديوانه السابق "مقدمة فى الغياب، وذلك عبر  قصيدته" دروس ضرورية لاحترام الوقت"  وتأمل عباراته ومدلولاتها جيدا وكيف يصف العالم بمريض على كرسى متحرك ويقول:" لم ينتهِ العالَم ـ للأسف ـ كما تنبأت في الكتاب السابق، ولا صافحه أخطبوط على الشاطئ ثم سحبه عميقاً. لم أكذب عليكم، أو أبع سمكاً في ماء، ربما حدث شيء أخّرَ الأمر، كتعطّلِ المنبّه ـ أنتم تعرفون البضائع الصينية الرخيصة ـ ربما توقف قليلاً في الطريق ليريح قدميه من آلام الروماتيزم، ويلقى لقمة يابسة في جيبه لقِطّةٍ تأملها شارداً. ربما انشغل بمتابعة المشهد الختامي للحرب، أو دندن مع عبد الوهاب، فنسيَ نفسه. بعد قليل ـ لا بد من ذلك ـ سينظر في ساعته ويضرب جبهته لاعناً الزهايمر: "لقد تأخرت عن موعدي"، ثم يدفع كرسيه المتحرك إلى الأمام بأقصى طاقته، مبتسماً في سعادة. لكنني لم أكذب، صدقوني، لم أكذب".

وتعد السمات البازرة وملامح القصائد واسماءها عنوانا دالا عن محمد أبوزيد  حتى لو صدرت بدون اسمه تلمحه وتشعر به من خلال الفقد والحزن والموت والـتأمل والغربة والفلسفة  والعمق والمفارقة المدهشة والسخرية الموجعة حد البكاء، تلك السمات هى عوالم أبو زيد التى لا تفارقة يعيش وينصهر معها ليقدم لنا تجربة جديرة بالتأمل والدراسة والرصد.

تأمل عنوان قصيدته الطويل جدًا "أنا الصوت الإلكتروني المهذب/ صديق جوجل/ أعمل بالشحن/1، 2، 3 ـ ابدأ العمل:/ أنا روبوت" يقول: "في المستقبل لن يكونوا بحاجة إلى شعراء/ ستكون هناك روبوتات/ تؤلف الشعر/ تحضر الندوات/ وبعد ضبط إعداداتها، تنحني للتصفيق/ تضع بطاقة الفكرة في فتحة الرأس/ تسكب الألم من زجاجة صغيرة/ تضغط على موضع القلب"، أبو زيد يغزل قصيته بمهارة وحرفة عالية وينصب الفخاخ والكمائن خلف الابيات والسطور ويسحبنا رويدا رويدا داخل النصوص الى ان نتورط معه فى مواجهه المصير حيث لامجال للتراجع او الخروج، فى قصيدته "السلسلة" التى قسمها إلى ثلاثة مقاطع،  يكرر أبياتاً معينة فى كل مقطع ومضيفا فى كل تكرار مفتاح  جديد كاشف لعتبات النص يجعلك تفتش خلف الكلمات عما بها من مدلول  يقول فى المقطع الاول: أربعة أفواه على المنضدة/ تأكل الآيس كريم/ تركها أصحابها وغادروا/  أحدهم ذهب إلى الموت/ الثاني إلى الاكتئاب/ الرابع ظل هناك/ قريباً من البحر/ يراقبهم، ويكرر فى المقطع الثانى ماذكره فى الاول ويضيف : الثالث انتظر في محطة الباص ../ كان يمكن../ أشياء كثيرة لا أعرف كيف أكتبها/ لكنني هنا الآن/ حيث لا شيء/ سوى طنين الصحراء في الخارج/ أفكر أن أكتب قصيدة تقليدية/ اسميها "كوبري الأحلام"/ وأتحدث فيها عن الكوبري والأحلام ويكرر فى المقطع الثالث ماسبق ويضيف: كيف أكتب عن الإسكندرية/ ولا أتحدث عن شارع النبي دانيال؟، ابو زيد لا يقدم لك حلولا ولا يملك عصا سحرية ولا يدعى البطولة، هو يملك الطرح والعرض الجاد للمأساة المسماه الإنسانية وماتحويه من بطش وظلم ،تأمل قصيدته "فرصة ثانية يا رب" يقول: "لو أن بإمكاني النوم/ بشكل متواصل/ أو تخزين النعاس/ لدمرت كل ما حولي/ ثم نمت كملاك وديع/ أنام شهراً متواصلاً/ ثم أسير بلا انقطاع بقية السنة/ إلى مرقد آخر".

فى قصيدة "لا أحد يسمع الكلام" يقول: "1ـ فردة حذاء وحيدة في المطبخ/ 2ـ سيارة طفل بلا بطاريات/ 3ـ أراجوز معلّق على الحائط من أنفه /4 ـ نصف كوب ماء على حافة المقعد/ 5ـ بيت عنكبوت صغير أسفل المنضذة/ مثل هذه الأشياء، يُسمّونها الحنين/ أفكر فيها، / وأنا أسير في طريق قديم/ كل ما فيه يتداعى/ كأنها نهاية العالم/ أضع الصور أمامي، وأقول للدموع:/ ـ دورك الآن يا أستاذة/ لكنها لا تتحرك/ أُقلّب في الأوراق، وأقول لقلبي/ ـ تحرك يا زعيم/ لكنه راكد/ كمن شرب زجاجة الجعة كاملة، من أمامي، في فم واحد/ ألُقي بالحصى/ واحدة تلو الأخرى/ فتبتلعها البحيرة/ دون أن تجيبني بالدوائر/ يا الله../ لقد تغير العالم / لدرجة أنني لم أعد أتذكر/ أين سينتهي هذا الطريق"، تأمل مفردات القصيدة وعرضه الجيد للمشهد وذكرالصورة وتسلسل ترقيمها كأنه يذكرنا كى لا ننساها فهو يعرفها ويحفظها جيدا، وتأمل الديالوج الحسى الانسانى مع الدموع تارة ومع قلبه تارة اخرى ومع الاوراق وفى النهاية يتركنا فى حيرة شديدة ورؤية غير واضحة المعالم للطريق

ومن قصائد الديوان القصيرة اللافته قصيدة " " ∞هكذا اسمها ويمكن أن نراها رسمة لعينين، ويمكن أن نعتبرها علامة "ما لانهاية" في الرياضيات، يقول فيها:" في إشارة المرور، أنظر من خلف الزجاج إلى سائق صيني في سيارة مجاورة، فيدير وجهه إلى سائق هندي، يدير وجهه إلى باكستاني، يدير وجهه إلى الفراغ.. الفراغ الذي يلتهمنا جميعاً.،  تلك قصيدة الغربة متعددة الجنسيات تجمعها اشارة واحدة وغربة واحدة لكن شتان حال القلوب وقسوة الفراق والام البعد.

ويقول ايضا فى احدى قصائدة : "هذه معجزتي إذن/ أن أسير في الشارع/ وحيداً/ وحيداً/ حتى من القطط الضالة/ التي كانت تفتح النوافذ/ عندما تلمحني أمر"، ما أعذب سخريتك المريرة حتى القطط التى تستأنس بها عوضا عن البشر خذلتك.

وهناك العديد من القصائد التي تبدو أنها ترثي العالم بعد نهايته، منها  " ثالث شارع، ثم اتجه يساراً " وقصيدة " مشنوق يؤبّن الشانق" وقصيدة " قصيدة ثلاثية الأبعاد "، قصائد تتمازج فيها الفنون وتتعدد الرؤى لما يمتلكه الشاعرمن خصوصية ومفردات إبداعية، وصور وتراكيب داهشة ولغة شعرية رائقة صافية تشكل جوهر اشعاره، وتلتقط كل ماهو ثمين ونادر وخفى ومحجوب وراء الافق.، وفى النهاية يتوعدنا  ابو زيد ويحدثنا عن العالم والقادم عبر ديوانه القادم ربما يجيب على اسئلة تخصنا جميعا يقول فى القصيدة الأخيرة " فوات الأوان " أُفكّر أن أسمي كتابي القادم "فوات الأوان". لكني لم أحدد، هل أضيف في البداية "قبل" أم "بعد"، لكن أياً ما يكون الأمر، سأكون قد أطلقت صرختي الأخيرة وأنا راضٍ تماماً. مثل رصاصة تخترق جمجمة طاغية، وترتاح هناك إلى الأبد. يتحدث ميلان كونديرا عن أن الحياة لا تتكرر، ويسخر من فكرة نيتشه عن العود الأبدي، لكنني لست بحاجة إليه لأدرك أنني عرفت هذا بعد فوات الأوان. كل شيء أدركه بعد أن تكون قدمي وصلت إلى الحافة، وتأرجح جسدي في الهواء، وعيناي عانقتا الهوة في الأسفل. حتى الحكمة التي تبدو كجبل عالٍ، ما إن أصلها حتى أجد العصا التي أتعكز عليها ليست إلا النهاية، التي أنشبت أنيابها في ظهري. أفكر في الكلمة، في الجملة، في القصيدة، في العنوان، في الكتاب، وأنا ممدد على ظهري، وعيناي تسألان السقف عن معنى، أدرك أنني لن أصل إليه إلا بعد فوات الأوان،قصيدة  شجية معبرة عن أرواحنا واوجاعنا وغربتنا المكانية والحسية والزمانية مشحونة بالحزن والالم والوجع والفقد والغربة، نستعذب نصلها حين يمر على قلوبنا ويكشف واقعنا المريرالغريب الممتلئ بالخداع والزيف والجور.

Top