-->

الغريب الذي ينتظر نهاية العالم!

باسم المرعبي*

عبر ديوان "مقدمة في الغياب" ـ دار شرقيات 2014، يبدو نص الشاعر المصري محمد أبو زيد قابلاً لأكثر من توصيف سواء ما يتعلق بتصنيف هذا النص وردّه الى مدرسة أواتجاه ما، أو بمصادره من ناحية أو طبيعة ما ينطق به من ناحية ثانية. فهو يتنوّع بتنوّع الثيمات التي ينطوي عليها وإن بدا "أرق" الشاعر واحداً، أي الهاجس والدافع لكتابة نصه وما يستند إليه من رؤية أو موقف ازاء الذات والعالم، وهو ما جعله محتدماً في كتابته، حدّ الاتقاد، إذ ليست الكتابة طريقة للعبث بقدر ما هي تعريض بعبث العالم واختلاله ولهذا اتّسم الديوان، عموماً، بالقتامة والسوداوية، والغضب في ذات الوقت.فقاموس الشاعر يزدحم بمفردات وظلال من مثل، الموت، الاغتراب، النهاية، القسوة، الوحدة، الخسارة. لكن ذلك يجيء ممتزجاً بروح السخرية والمفارقة. من هنا بدا النص مليئاً ولافتاً وهو ما يشير بقوة، أولاً، إلى أن لدى الشاعر ما يقوله والأمر الثاني، وهو الأهم، اشتغاله على أسلوبية أو طريقة قول تحاول أن تكون جديدة، متحوّلة ومتماهية مع ما تحمله من مدلولات وبالتالي جاذبة للقارىء، وهو أمر يخص صلب الكتابة وماهيتها فما هذه، بالمحصّلة، إلا الأسلوب إذا ما سلّمنا بالرأي النقدي "اليائس" الذي يفيد بأن كلّ شيء قد قيل حدّ استنفاد المعاني.

وانسجاماً مع وعي الشاعر بضرورة خلق هوية دالة عليه، وهو ما تمكن من تحقيقه لينجح، تالياً، في الإمساك بالقارىء وإشراكه معه في ارتياد عوالمه التي أقامها بالرصد والمفارقة والحزن والألم والهجاء، حتى بدا الشاعر محترفاً في إنهاض قصيدته من ركام عالم لا يتوانى عن نقده وانتظار نهايته. هذه الثيمة الأخيرة التي هي في صلب ديوان"مقدمة في الغياب"، منوّعاً ومضيئاً عليها في أكثر من موضع من قصائده وعبر أكثر من حركة  وصورة، ليلوّح بمشاهد قيامية تقع في النص بوصفها انتقاماً أو خلاصاً:

"عندما يهوي النيزك/الذي سيدمر الأرض،/ الذي ينتظره العلماء منذ سنوات/الذي يقول للمنجمين:/ ـ كم كنتم صادقين/ النيزك الذي سينهي الخلاف/ بين امرأة وحماتها/ على رائحة البصل في المطبخ/ الذي سيريح عاشقاً خذلته حبيبته/ الذي سيحل أزمة أب/ لا يستطيع دفع ثمن حذاء طفلته/ الذي سيضع حداً لأسرى الحرب/ وموتى المجاعات وأطفال الشوارع/ والقصائد السخيفة". قصيدة: أعتذر للأطفال فقط، أما أنتم.. 78. لكن بالمقابل وبحس المفارقة الآنف الكلام عنه يكتب عن "اللحظة" ذاتها:

في موقف الباص/ انتظرتُ نهاية العالم. 76

في الوقت الذي يناور في موضع آخر على التسمية:

حتى وصلت إلى نهاية العالم/ بدا مثل سور قصير أملس/ يدفعني كأنني كرة مضرب/ خلفه هوّة بلا نهاية.

فهو هنا يستخدم "نهاية" العالم بالمعنى المكاني لكنه في القصيدة  ذاتها

لا يلبث أن يعود إلى لازمته القيامية بالمعنى الزماني، اليوم الأخير للعالم:

 أفكر في رد على "نهاية العالم":

لماذا تأخرت؟ 32

نهاية العالم، هنا، هاجس صميمي  لدى الشاعر، هاجس يتردّد في العديد من القصائد، كما أشرنا، حتى أن هناك قصيدة تحمل عنوان: "قصيدة تنتظر نهاية العالم"، وهو ما يشير إلى الانشغال بما يؤرق إنسان عالمنا ويستنزفه لهذا تحفل قصيدته بالتفاصيل، مثلما تحفل بالعناوين الكبيرة، وهي قصيدة واقعية، من مناح كثيرة، يومية في بعض ملامحها، وإن خالطتها هواجس ونزعات غرائبية كثيرة مما يمكن إدراجه ضمن المنحى السريالي من خلال أمثلة عديدة في الديوان، كما في نص "محاولة لتقديم خدمة إنسانية جليلة"، على سبيل المثال: "بعد خمس دقائق سأتشقق. لن أنتبه وأنا أسير إلى السيف الذي يقسمني نصفين مثل تفاحة، لن ينتبه أحد إلى نصف جسدي الذي ركب القطار وغادر، ونصفي الآخر الذي لا يزال ينتظر في محطة الباص. يدي التي تسير في الشارع ستربّت على رؤوس اليتامى، تمسح زجاج نظارات كبار السن، تسند سلماً كاد أن يسقط، توقف التاكسي لقط تائه يريد العودة الى المنزل". 72

قد يذكّر النص الآنف، لناحية التفصيل في الجسد والتسميات، بنص الشاعر الروسي "دانييل خارمس" واسمه الحقيقي "دانييل يوفاتشيف" المولود العام 1905 الذي اتهم بالعبثية في الكتابة ليقضي جوعاً في سجون ستالين العام 1942. والنص المذكور بعنوان: الدفتر الأزرق رقم عشرة:  ومطلعه: "عاش رجل أشقر، لم تكن لديه عين و لا اذن. ولم يكن لديه شعر، ولذلك فان تسميته بالأشقر كانت افتراضياً. وكان عاجزاً عن الكلام، فلم يكن لديه فم، ولم يكن أنف لديه كذلك....". واذا ما كان نص خارمس هذا قد أُدرج تحت ما هو معروف بالاتجاه الدادائي، إلا أنّه بالمقابل لا مجانية في ما يذهب اليه محمد أبو زيد في كتابته مهما تعدّد لديه القول أو أساليب توصيل هذا القول، ومهما بدت عليه أو تلوّنت به جملته، إذ إن الشاعر ازاء مهمة قاسية تجعل "الدموع تحفر نفقاً... (حتى) تصل العظام" 86. فهو يطفو وحيداً في سِفر مصنوعة مادته من الغربة والوحدة والخوف والذكريات، حدّ أنه لا يتوانى عن التصريح، على الرغم من المفارقة في الأداء التالي: "أدس رسائل تحت عقب باب منزلي وأقرؤها حين أعود". 26

من هنا فإنّ ديوان "مقدمة في الغياب" عمل يخوض في راهنية إنسان عالمنا باغترابه واشتباكه مع محيطه، بلغة غير متكلّفة ومتخففة من بلاغات لا تؤدّي شيئاً، وهو على صعيد آخر عمل داخل الكتابة، بمعنىً يحرز هويتها كإنجاز، لذا فهو يتبنى أكثر من مقترح خلالها وفيها. وفقاً لذلك هي كتابة تتجه الى المستقبل لما تقدَّم من أسباب ولأنها، أيضاً، مخلصة لعالمها ولهواجس الانسان وشواغله بوصفه مرجعية أولى.

• شاعر وكاتب عراقي مقيم في السويد 

Top