-->

محمد أبو زيد.. فارس قصيدة النثر يواصل تغريده خارج السرب

مجدي عبد الرحيم

محمد أبو زيد من الاصوات الشعرية ذات الملمح الخاص والتجربة الثرية، يرهق نفسه كثيرا لكتابة نصوص مختلفة عما هو سائد ويقدم رؤية لا تستطيع الوصول لمكنونها بسهولة لما يملكه من لغة ومفردات وآليات جمالية سواء على مستوى الرمز والشكل والمضمون والتجديد والتجريب، يغوص بسخرية مريرة فى أعماق النفس البشرية بكل تقلباتها واحزانها عبرمشروعة الابداعى المتصل بداية من ديوان ثقب فى الهواء بطول قامتى، مروراً باعماله قوم جلوس حولهم ماء، نعناعة مريم، مديح الغابة، طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء، رواية أثر النبى .        

وفى ديوانه الصادرحديثا عن دارشرقيات بعنوان " مدهاماتان "، وهى الآيه رقم 64 من سورة الرحمن فى القرآن الكريم  ومعناها اى خضراوان من الرى ، وقاله ابن عباس وغيره، وقال مجاهد مسودتان فى اللغة السواد ، والعرب تقول لكل اخضر أسود وسميت قرى العراق سوداء لكثرة خضرتها، وهكذا يضعنا ابوزيد على عتابات النصوص بين السواد وحيرة التلقى والابحار فى التيه، لا يوجد اهداء فى البداية  ولكن يوجد مفتتح ومدخل للديوان، يقول :  صه أيها الموت /ماذا تريد بعد أربعة دواوين مفعمة بالجثث/برائحة البارود والجماجم الطائرة/بالدم والسل والطاعون/لم يعد بإمكاني تقديم قرابين أكثر/تعبت.                                                                    

قصيدة بلا عنوان  تحمل زفرة آلم ووجع ورسالة الى الموت المخاطب كثيرا فى الديوان، ويقول: أريدك فقط أن تمهلنى قليلا /لأنهى هذه النار المسكوبة في جوفي

صورة جيدة  يترجى الموت الإنتظارقليلاً لا من اجل الحياة لكن لينهى النارالتى لو تركت مشتعلة لمات كما اراد ، ويقول: إيه أيها الموت/ أنا جاهز تماما / /هل يمكنني أن أستريح ؟ ختام جيد للقصيدة واستكمالا للصورة هو الان جاهز لراحة الموت التى ربما وجد فيها الخلاص والذات الشاعر هنا فى حيرة شديدة وأختيار صعب فهى تفضل الموت على حياة جرداء لا خير فيها .

الديوان مقسم الى سبعة اقسام :ذهب محمد إلى الحقل، فك رقبة، الخوارخ، القصائد المُرَة، عاد لينتقم، أحفر مقبرتى وأغنى، القصيدة الأخيرة، ويحتوى على 58 قصيدة تتراوح مابين الطول والقصر، التقسيمات افادت النصوص، لكن ذلك لا يتضح من القراءة الاولى، فالشاعر يضعك دائما داخل الحالة يعيشها معك بتفاصيلها التى تجذبك وتحيرك وتشغل عقلك فهولا يخدعك ولا يزيف الواقع بل يقدم صورة صادمة وكاشفة وفاضحة للواقع المرير.

فى قصيدة "الغابة الخضراء الواسعة"ً اختزلت المعانى فى عبارات قصيرة تلغرافية افصحت فى بساطة رائعة وبغير تكلف، منها قوله: وأعود حيوانا بريا/ يجري سعيدا في الغابة،ويقول: لأطلقت سراحكم جميعا/ فى الحقول الخضراء،  يصورنا مساجين فى الحياة رغم اننا طلقاء، وفى قصيدة"مالا أريد قوله" لم أولد وفى فمى ملعقة من ذهب أو صفيح/لم أولد وفى فمى ملعقة من الاصل / لاننى بلا فم يا إخوتى، قصيدة توحى بالكثيرمكثفة ومختزلة تكاد تفضح عالمنا وواقعنا بما اوحت إليه ولم تصرح به، وف قصيدة" أرص الصور بجوار بعضها فتكتمل الحياة" أجلس فى ركن المقهى/ينير الناذل عيونى الزجاجية/ يغير القهوة التى بردت/ أعد البناطيل المارة..والايام المرة،تجد تحير المتلقى ماذا ينتظر هل الموت الذى اكد عليه فى نهاية القصيدة، ام عمره الضائع ام حبيب غائب ام مفقود اخر، وفى قصيدة" ولد يتثاءب وينظر من الحافلة" ما شدنى نهايتها كأنها الحكمة والسخرية ، ما أمتع أن تجلس في الحياة / بلا رفيق معك، وفى قصيدة" أف .. المصعد متعطل كالعادة" محملة بالخبرة بالكتابة لشاعر يمتلك الرؤية والتصويريقول: سكان الادوار الاخيرة فى ناطحات السحاب/ يدعون الشمس كل يوم لتناول الإفطار/ وفي الليل يضيئون شموسا صغيرة، المفترض فى الليل يضيئون قمروليست شموس ، لكنهم اغنياء يستطيعون فعل كل شئ، ويقول:البعض يفضلون أدوار المنتصف/ القريبة من كل شئ/يضيعون أعمارهم على السلم ،يخططون لشراء مقابر مناسبة/ يقيدون

الزمن فى مقبض الباب / يربتون على كتفه كببغاء أخرس، وليست هذه السخرية التى تغلف القصيدة مجرد سخرية الواقع بل هى تقليب لما بداخل الشاعرالإنسان فى آن واحد فهو لم  يفقد الآمل فى تحقيق حلمه البسيط الذى يكمن فى سنين قادمة تحتويه لأنه يتعامل بوعى يرى النور فى الظلام رغم هذه المتاعب التى يمر بها ليل نهار، وفى قصيدة" وحدي في المنزل" يقول: في اليوم الأول لتركي العمل /لم يستطع هاتفي تحمل كم الاتصالات /فسقط على الأرض يلهث/بعدها بأيام/ كان النوم يصاحب هاتفي قليلا/ وعندما توقظه مكالمة/ يحاول إطالتها بقدر الإمكان/ الآن/ يضع يده على خده/ ينظر إلىّ وأنا أكتب القصيدة، يمكن ان يطلق عليها قصيدة الديوان رغم قصرها الا انها قالت الكثير والكثير، قصيدة محملة بالمعانى والتجارب الحياتية الزائفة التى يغلب عليها المصالح،وتقدم رؤيا كاشفه فاحصه بعين خبيرة ، تمتلك ابعاد إنسانية لقضايا وتحولات البشر ، وتجيد ايضا تعرية الواقع وتجريدة من الزيف ، رؤية لاتهوى أنصاف الحلول واللعب بالألوان ، وفى قصيدة" أعلق صورتي على الجدران وأكتب تحتها  wanted"يقول: الشعرالنصيحة/ وأنا أنصحكم أن تنسونى/ أن تنسوا وجهي وابتسامتي ولون ظلى/  قصيدة دائرية ما تكاد تنتهى منها لتعود لبداية النص، حوت اشياء كثيرة رغم البساطة البادية على وجه القصيدة الا انها عميقة ومعبرة ، وهكذا ينجح ابو زيد فى تثكيف ظاهرة الأغتراب داخل الوطن فتبدو عناصره الفنية متآلقة،كما نجح فى المزاوجة بين المعنوى والحسى فى تجربة شعرية متماسكة ،فهو يملك من الأدوات ما يمهد له سبيل الإجادة والتميز والتحليق فى مملكة الشعر ويختزل المشاعر فى عبارات بلاغية وفى كلمات مكثفة ذات لغة لها الكثير من المعانى والدلالات ، وفى قصيدة"أنا خائف يا أليس يقول: "أضع يدي فوق جبهتي/وأنظر من أعلى للعمر الذي ترك يدي /وهرول بعيدا/ أبحث عن ولد كان يسير هنا أمامى واختفى/ كنت أرعاه بألوان عينى / أبحث عنه فى الكتاب المصفر/ أحاصر روحه/ بخطوط يدى الباهتة،يضعنا الشاعر امام مأزق انسانى نبيل فكلنا هذا الباحث،على الرغم من سيطرة الحزن والحسرة على كل ما هو جميل ، فالشاعريحدد هذا الجميل فى صور متتابعة تبدأ بلحظة جوهرية متميزة تلغى من النص أية زيادات أو تفاصيل لا تحتاجها القصيدة ثم يبدأ بتتابع المشهد الشعرى ويرصد فيه صورا شعرية تصور هذه اللحظات الجوهرية ويعنى هذا تركيز الشاعرعلى عدة مفاتيح أختارها بعناية مما يجعل لمدخل النص أهمية قصوى فى تفهم خطابة الشعرى المركز ، وفى قصيدة" السعادة الحقيقية  تجدونها في هذه القصيدة " يقول:لأنني أحبكم /أريدكم  أن تموتوا الآن/ أريد ان أمشي خلف جنازاتكم /واحدا وراء الآخر، قصيدة حالة ،والعنوان معبر ودال وهى صورة صادمة تقف امامها فى حيرة شديدة ودهشه ، إن لم تستطيع أن تتفاعل وتتعاطف معها بقوة ، فهى تقف على مقربة منك تكاد أن تتماس مع ما تحياه ، ولاتستطيع الفكاك منها بسهوله. وفى قصيدة"برج الثور: حب جديد يغزو قلبك" حبيبتي خضراء كالغابة/الغابة التي احترقت أمامي منذ قليل/كنت مختبئا في العناية المركزة/والجلوكوز يتدفق إلى الأشجار/كنت نائما فوق سحابة/ ودموعي تملأ البحر بالملح والصدف/كنت يوما غابة /وكانت حبيبتي خضراء، وهو تكرار يفيد المعنى ويثريه، وتأتى المقاطع الخمسة: حبيبتى حزينة كالآربى جى، حبيبتى جميلة كديناصور، حبيبتى خالدة كالظلام ،ويختتم القصيدة : لم أقل الحقيقة/ ليس لى حبيبة زرقاء/ ولا نهر مستأنس/ ليس فى جيبى مصباح/ ولا قلتى ممتلئة على النافذة، هكذا يرسم ابوزيد خطة للقصيدة بطريقة لا تجعلها واضحة المعالم للقارئ منذ البداية، ثم يختار الأسم الذى كان موفقا ، ولأن النص الشعرى هنا مشهد  متعدد الوجوه رغم الأنفعالية الحادة بعض الشئ المسيطرة على لغة النص الشعرى ألا إنها لغة جذابة تدخل إلى القلب فى بساطة آسرة ، وفى قصيدة " أتنهد هكذا" يقول :أنا القط الذي انقرض/أنا الموسيقى الهاربة من البيانو/أنا غابات الزيزفون التي يكرهها النقاد/أنا .. أنا/وأنت .. أنت، تقدم القصيدة للوجود والمصير وهى تنضج بالشجن الجميل والأسى النبيل والشاعر يجاهد نفسه طويلا وهو محاصر بوعود كاذبة وعيون لا ترى الحق وزمن يقتل الأشياء الجميلة من حوله، وفى مقطع اخر يقول:الموسيقى التي ظللت أسمعها لأعوام /كانت تنساب من الجدار/ تشبه عينيك، نختبئ في رسائل البوسطجي/ تنام دموعنا بين السطور، هكذا تمضى القصيدة عبر حاله من الحزن المغلف بالضياع فالكل قد تجمع ضده ، وقد اجاد الشاعر فى تكرار مقطع أو عبارة " أنا.. أنا وأنت ..أنت" فقد أعطى بعدا موسيقيا تلتقطه الأذان والقلوب معا ، وفى قصيدة"حبيبتي نظيفة وجميلة ومتطورة" الدرس الذي تعلمته من القتلة / الجريمة لا تفيد/ الدرس الذي تعلمته من القتلة/ كن قاسيا بلا قلب/ لا تدعهم يكتشفون أنك شاعر/ وأن قلبك طفل يلهو فى المولد أمام أمه/ وفى الختام يقول: الدرس الذى تعلمته من القتلة/ لا تترك وراءك أثرا/ ولا قلوبا محبة، رغم قسونها لم استطع ان اكرهها وشدتنى سطور الختام وهى قصيدة مكثفة ذات أبعاد صيغت بحرفية فنية عالية  ، واستطاعت أن تصيب الهدف بأقل الكلمات وبدون صخب أو إفتعال ، وفى قصيدة"أحمد العسكري" يرفعه المعلم منزوع القلب /ليضربه على قدميه/ أحمد عبد الحفيظ العسكرى/ الذى يجيد رسم نظرة المسكنة/ يخلع ساقيه الحديديتين/ساقا وراء الأخرى/ وعيناه تتساءلان عن الرحمة/ في حصة المدرس الكفيف/ نضع أيدينا فوق أقدامه/حتى لا تجرجرنا نظراته/ من قلوبنا الصغيرة إلى النار، قصيدة حاله وتذكر لاحداث ربما تركت اثرا فى النفوس ورغم مرارتها تجعلك تشعر بالقوة فى عزالضعف،  وفى قصيدة "شاطر ومشطور وبينهما جثة " قصيدة جيدة كنت افضل ان تسمى(أريد أن أبكي يا أمي؟) يقول فى عدة مقاطع : كنت طفلا، ألون السماء بالأزرق فيصحو الجو، بالرمادي فتمطر، بالأحمر فتحتلين قلبي، بالأسود فتموت أمي، قلت لأمي: المدينة غيرتني ولم أعد أنا، فلا أنا القروى الساذج، ولا هذه طريقتي في  البكاء، قلت لأمي وحبيبتي: قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل وشاعر بلا اسم ، المنزل احترق وكنت في الناحية الأخرى أنفخ حتى ينطفئ فيزداد اشتعالا ، قلت لأمي حين مررت من أمامي لم أكن هنا ، لم أكن أنا، قلت لأمي حين أموت لا أريد أن يمشي في جنازتي شعراء ولا نقاد ولا باعة صحف، قلت لأمي أريد أن أموت يا أمي، الكلمات والعبارات غير مجانية ولها مدلول، والشاعر مهموم بقضايا الانسان بوجه عام يشغله وجوده وتفاعله مع الكون وعلاقته بمن حوله ، يبحث عن جوهر الاشياء  يغوص فى الاعماق لنرى خفايا النفس البشرية، وفى قصيدة " لم أخطط لهذا طوال عمري" لا قلب لي  /أتخلص منه مبكرا وأواصل حياتي /القلوب البديلة ملقاة على قارعة الطرق/ كباعة البطاطا/لكنني أفضل الانصراف مبكرا/في شارع نصف مظلم/إلى بيت وحيد /آخر الدنيا /أتناول عشائى مع قطتي في طبق واحد، وفى مقطع اخر: التي قالت لي: أنت أخي، ميتة الآن/التي قلت لها: أنت أختي، تركتني ميتا/التي لم نلتق كثيرا ،صارت جميلة كالظلام/التي تبادلت معها الصمت/ لونت معها كفني/التي أخذت البيعة من دمي/نائمة الآن على البحر/وأنا جثة ممددة على الشاطئ الآخر، هكذا للحياة وجهان الحزن والفرح والذات الشاعرة هنا تقابلك كثيرا مع الاحزان ، ورغم ان الموت يحوم دائما حول قصائد الديوان الا ان تعامل الشاعر مع الاحداث يجعلك تبتسم اوتضحك ربما من فرط السخرية والاحساس بالالم .

ــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرت في جريدة القاهرة                                             

Top