-->

محمد أبو زيد: أكتب التاريخ السري للحياة

فى كل مرة أنتهى من قراءة ديوان لمحمد أبو زيد اتساءل – وأنا مشفق عليه – وماذا سيقدم فى الديوان القادم ، الرجل قال كل شىء ، فعل كل شىء ، أضحكنى – إلى حد القهقهه – ملأنى شعورا بالوحده والخوف ، ملأنى بالصخب ، أثار فى رأسى الأسئله – بدءا من أدق التفاصيل الحياتيه ، وحتى اسئلة الوجود – شاعر حرك مياه روحى الراكده ، داعب أعصابى ، أشفق عليه فعلا فى كل مره ، لكنه يفاجئنى أيضا فى كل مرة ، بما هو أكثر إبداعا وتمكنا ، أبو زيد يحيا الشعر ويتنفسه ، يعيش قصيدته بصدق ، لا يتحدث عن معان لم يعشها ، ولم يكتب عن قيم لا يؤمن بها ، أبو زيد صادق مع نفسه ومع قصيدته إلى أبعد حد ، يشبه قصيدته إلى أبعد حد ، لذا فهو دوما يصل من أقصر الطرق .. أبو زيد يجعلنى انطقها فى كل مره وبكل صدق ، وماذا نريد من الشعر أكثر من ذلك .

تدعونى قصائدك دوما للتفكير فى العلاقة بين الشاعر والنبي؟

الشاعر والنبي يمتلكان القدرة على الحلم بالمستحيل ، والحلم  بتغيير العالم ، والرغبة في تغييره ، ولذلك تظل معظم أحلام الشعراء محصورة في نبوءات الأنبياء التي تحققت ، الطيران ، أو إحياء الموتى وعلاج الأعمى والأبرص مثل المسيح عليه السلام ،   أو كتاب يعجز أرباب البلاغة عن الإتيان بمثله ،  أو سفينة مثل نوح ، لكل شاعر نبوته ، ونبوءته  ، بالنسبة لي لم أقصد هذا ، وهو موجود في دواويني الأربعة ،  أقول في إحدى القصائد بالنص " أريد سفينة مثل نوح يا ربي "  ، بالنسبة لي يظل حلم الطيران من التيمات المرتبطة بالقصيدة لدي وتجدها موجودة في أكثر من قصيدة بداية من ديواني الأول " ثقب في الهواء بطول قامتي " ، ثم دواويني الثلاثة التالية ، في أحد قصائد ديواني الأول أقول " حزينٌ لأنِّي لا أُبْرِئُ الأكْمَهَ ولا الأَبرص ولا أُحْيي المَوتى ، لا أُخبئ الديناصورات في حقيبتي من العواصف ليس لي جيوب أربي فيها المطر ولا عيون أُعيرها للعمي ولا مقاعد فارغة أهديها للعاشقين ليس لي حبيبة ، ولا أصدقاء لا قصائد راقصة " هذا المقطع من قصيدة " هزائم تليق بي " ، أخذته ، وجعلته مقدمة ديواني الثالث ، ربما لكي أقول أن الحلم المستحيل ما زال مستمرا ، الحلم بتحقيق معجزة النبي التي لن تتكرر من حقي كشاعر ، ما أريد قوله هو أن  لكل شاعر نبوته ، فإذا كان النبي يأتي بمعجزته ، فمعجرة الشاعر هي قصيدته .

ما السبب في ميل قصيدتك الواضح نحو المستضعفين  والمهمشين ؟

أكتب عن المهمشين لأنني واحد منهم ، لأنني أتألم آلامهم ،وأعاني ما يعانونه في السكن والمواصلات و طابور الخبز و قصص الحب الفاشلة ، أكتب عنهم لأنهم السواد الأعظم ، والكتابة عنهم بالنسبة لي موقف من الحياة ، وإعادة اعتبار إليهم ، فالشعر  هو ديوان العرب ، ولأنه كذلك فقد ظل لسنوات طوال هو لسان السلطة ، ولسان المؤسسات الحاكمة سواء كانت هذه المؤسسات خليفة أو زعيم قبيلة أو ملكا ، يقال مدحا فيهم ، أو في وصف قصورهم وغلمانهم ، فقد آن  للشعر أن يعود إلى البسطاء ، وأن يتحدث بلسانهم ، وأن يرصد أيامهم العادية ، حيواتهم  ، التاريخ السري للحياة الذي لم يكتبه أحد من قبل ، ماذا يفعل ملح الحياة ، ثم أن القارئ الجيد للنصوص التراثية يدرك أهمية الهامش جيدا ،والذي أحيانا يبدو أهم من المتن .

نزع القداسة و الرهبة عن الأشياء ، و إهانة الإكليشيهات والسخرية  : ثلاث أشياء لا تخلو منها قصيدة لأبو زيد ؟ لماذا

أنا ضد الأكليشيهات في الحياة ، لأنها تفقد مصداقيتها وواقعيتها ما دام الجميع يردد نفس الجمل دون إحساس بما تعنيه ، فما بالك  بالشعر ، الشعر يقفز على هذا كله ، أؤمن أن إحدى مهمات الشعر هي الإدهاش ، والإدهاش لن يتأتى إلا نزع القداسة عما نرهبه ، لنكتشف في النهاية أنه ليس ذلك ،  هذا النزع أحيانا يكون بالسخرية ، أحيانا يكون بالقفز فوق هذه الأشياء التي نظنها مقدسة، وهو ليس بالضرورة أن يكون تحطيما لتابو جنسي ، أو ديني ، أو سياسي ، التابوهات في حياتنا كثيرة ،  تبدأ من الإكليشيهات الصغيرة ، والتي نعاملها على أنها مقدسة، فكيف نكسر تابو أكبر ونحن نتحدث بلغة مغلفة بالتابو ، أما السخرية فهو أسلوب حياة بالنسبة  ،أقصد أسلوب لمواجهة الحياة، هناك السخرية التي تضحكك ، وهناك السخرية التي تبكيك ، لكني أطمح إلى السخرية التي تجعلك شجنا تفكر .

لماذا تميل في قصيدتك دائما إلى خلط المتخيل بالواقعي مثل قولك " ملكة الجن التي تزوجت من أمين الشرطة "  أ و خلط الواقعي بالمتخيل كقولك " المراكب حبلى " ؟

الأمر يتوقف على رؤيتك للصورة الشعرية، كيف تكون ، ومم تتكون ، الصورة تبدأ من الواقعي وتنتهي بالمتخيل أو العكس ، ولهذا السبب أحب السريالين ، أحد النقاد قال ذات مرة أنه حين يقرأ قصائدي يشعر في بعض الصور أنه يشاهد لوحة لسلفادور دالي ، هذا غير مقصود مني لكنه يسعدني ، لكني في كل هذا أسعى إلى أن تكون الصورة غير معقدة، أريدها بسيطة، لكنه تأخذ القارئ إلى عوالم عدة ، تقلص الحدود بين "الواقعي" و"المتخيل" عبر الخلط بينهما أو الإيهام بحقيقة المتخيل وخيالية الواقعي .

الصوت " سأناديها هكذا ريتا يا ريتا " ، نياهاهاها ، أهكذا تتعمد أن تجعل القارىء يسمع وهو يقرأ قصيدتك ؟

هناك اتهام موجه لقصيدة النثر أنها تقرأ فقط ولا تسمع ، لكني أقول أن الشعر شعر أيا كان الشكل الذي يحتويه ، تقرأه أو تسمعه ، المهم كيف تحسه ، ولذا أحاول أن أدخل في قصيدتي  بعض المقاطع الصوتية التي ليس شرطا بالمناسبة  أن تسمعها ، ولكن وأنت تقرأها ستتخيل ما أقصده ، ستعرف الرسالة التي قصدت أن أوصلها لك بما عنيته بالتشكيل الصوتي في القصيدة ، وجزء من ثقافتنا كجيل نشأ في عصر كانت الوسائط الإلكترونية تأخذ فيه حيزا  لا بأس به ،هذه الأصوات ،  لا أستطيع أن أتجاهل ضحكة الأشرار في قصص الكارتون وأفلام الكارتون " نياهاهاها " ، حتى لو كان ذكري لها ،على سبيل السخرية منها ، كما لا أستطيع تجاهل طريقة مارسيل خليفة في غناء  " ريتا يا ريتا " ، كل هذا تجد فيه شعرية ما  ، قد تشعرها في طريقة النطق أو حتى من زاوية الرؤية ، حتى لو كانت مجرد نوستالوجيا ليس أكثر   ،  ولذا إذا سألتني عن مستقبل القصيدة في إطار هذا التشكيل الصوتي ، ما الخطوة القادمة ؟ سأجيبك بصراحة  لا أعرف إلى أين ستصل القصيدة  ،  ربما ذات يوم أكتب قصيدة يتداخل فيها الفن التشكيلي مع الموسيقى مع وسائط أخرى ، فالشاعر حين يكتب لا يستطيع أن يتبرأ من هذا السخرية " كيف لا تعرفون الموت 23 سمك القرش 27 "

أسباب اللجوء لموروث شعبي مختلف في قصيدتك كقولك  " العتبة قزاز ، أو " انت اللي هتغني يا منعم "

أعتبر نفسي ابن لتراثي ،هذا التراث الذي يتكون من تراثي الديني ، وتراثي اللغوي ،وتراثي الشعبي ، وهذا الأخير ليس مقصورا على شعراء العامية، فإذا وجدت أن عبارة العتبة قزاز بالزخم الثقافي والدلالة التراثية والبعد الفولكلوري الذي تحمله ملائم لي ، ويضيف لقصيدتي فلماذا لا أستخدمه ، المهم هو كيف أوظف هذا ، وا هذه الاستخدامات ذات الدلالة ليس شرطا أنتكون ذات بعد زمني طويل ،  خاصة أن بعض التعبيرات الشعبية تحمل دلالات لغوية وبلاغية طريفة  ،مثل عبارة " يلعب في عداد عمره " ، و هي جملة يستخدمها البعض في كلامهم اليومي ، لكني وجدتها ملائمة لي ، وقديما قال جدنا الجاحظ أن الكلام ملقى على قارعة الطرق ، فقط أود أن أضيف أنه في إحدى الفترات كان الشعراء يفخرون أنهم ينهلون من التراث الأجنبي والإغريقي واليونان ، ويفخرون بذكر هذا في قصائدهم ، وهذا ليس عيبا ، بل هو جميل ، لكن في المقابل أيضا ليس عيبا أن أفتخر بتراثي الشعبي ، وأنهل وأستفيد منه ، فأنا أكثر دراية وإحساسا به .

غياب الاهتمام بالشكل في هذا الديوان بالنسبة للدواوين الأخرى مثل غياب طرق الترقيم الغريبة أو التقسيمات المختلفة ؟

أؤمن بضرورة وجود وحدة بين قصائد الديوان ، وربما استطعت تحقيق هذا بأكثر من شكل ، وبأكثرمن مستوى في دواويني ، ربما اتضح هذا بشكل أكثركثافة في ديوان مديح الغابة ، كانت هناك فكرة الغابة التي يتم تقسيم سكانها في الديوان إلى غابيون وغابيات وكائنات أخرى ، وكل قصيدة من الديوان هي عن أحد سكان هذه الغابة التي تعني بشكل أو بآخر المدينة الأسمنتية الغاشمة ، في الديوان الأول ربما فعلت الشكل الذي قصدته بسؤالك وهو اللعب على التشكيل بالترقيم ، أي الترقيم من أعلى إلى أسفل أو من تحت الصفر ، لكن في كل مرحلة عمرية وشعرية بالتالي تكتشف أن التشكيل من الممكن أن يكون بشكل آخر ، في ديواني الأخير عمدت إلى هذا بداية من اختيار العنوان " طاعون يضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء " والذي لن تجد في الديوان قصيدة تحمل هذا الاسم ، لكنك تجد كلمات العنوان تتسرب في ثنايا كل القصائد  ، بالإضافة إلى أسماء الأقسام التي تخدم هذا الغرض ، فضلا عن فكرة وضع قائمة بالمراجع في آخر الديوان والتي أعتبرها شكلا من أشكال التشكيل المختلف

بمناسبة المراجع اعتبر البعض فكرة المراجع أو التوثيق ، فكرة غريبة بالنسبة لديوان شعري؟

.عادة توضع المراجع في الأعمال الفكرية فقط حتى يقول المؤلف أنه استفاد من هذه الفكرة في كتابه ، لكن من قال أن الشاعر أوالروائي لا يستفيد من مراجع عدة حتى لو لم تكن كتبا ، كانت هذه هي فكرتي في وضع مراجع ، ولذلك تجد أن المراجع تحتوي على موسيقى عمر خيرت ، بالتأكيد لم أقتبس لحنا منها ، لكن من قال أنها لم توح لي بشيء ، أو أنها لا تكون ثقافتي الموسيقية التي تعد رافدا مهما  في الديوان ، ولهذا أيضا وضعت أفلاما بعضها أفلام عالمية مهمة مثل فيلمي ليون المحترف ومدينة الملائكة ، وبعضها قد لا يبدو مهما بالمرة مثل فيلم العتبة قزاز لفؤاد المهندس ، لكن من قال أيضا أنه ليس مهما  ، هو أيضا من روافد ثقافتنا الشعبية التي تربينا عليها، لكن الغريب أن البعض انتظر أن تكون هذه الأفلام موجودة في الديوان وخاصة فيلم " مدينة الملائكة " لأن اسم بطله نيكولاس كيدج مذكور في إحدى القصائد وهذه الخدعة قصدتها وأنا أضع المراجع ،أنا لم أعتبر هذه الأفلام والأغاني والكتب السياسية والفكرية و الدينية مراجع بالمعنى الكلاسيكي المتعارف عليها ، وإنما قصدت بوضعها أن ألفت أن الأشياء التي تكون ثقافة الكاتب لم تعد القراءة فحسب ، وهذه الأشياء شاركت في تكوين معارفي الإنسانية، بالإضافة إلى أن هذه الأشياء كانت بالقرب مني وأنا أكتب  ، لكني لم أكتبها هي ، بل ربما كتبت بعضا مما تركته في .

تطرح فكرة الخلود أكثر من مرة في الديوان بداية من الاقتباس الأولي من رواية الخلود لميلان كونديرا انتهاء بإشارات متعددة في الديوان ؟

فكرة الخلود من الأفكار المؤرقة للإنسان منذ بدء الخليقة، منذ فكر في تخليد ما فعله بأهرامات ومعابد ، وتماثيل ، منذ فكر في الحساب بعد الموت ،والجنة و النار ، وقرر اصطحاب طعامه وماله معه  في قبره كما فعل الفراعنة   ، وقد لخصت هذا في مقتطف من رواية الخلود لميلان كونديرا  وضعتها في مقدمة الديوان هو عبارة عن حوار بين جوته وهيمنجواي وهما اثنان من الخالدين في الأدب " " هيمنجواي يتفرس في وجه جوته  بتسامح مفاجئ  ويسأله  ـ وأنت كم عمرك بعد الموت ؟ فيجيب جوته  بنوع من الحياء ـ مائة وستة وخمسون عاما  ، فيرد عليه هيمنجواي بسؤال يلخص القضية كلها  ـ ولم تتعلم بعد أن تكون ميتا ؟ " ، إذن فالسؤال هنا ، من الحي ومن الميت من الخالد ومن المندثر ، هذا ما قصدته  و الفكرة التي اطرحها في الديوان ربما تتجاوز هذا لتسأل عن المعنى الحقيقي للخلود ، هل هو ما بعد الموت ، هل هو الخلود الجسدي ، هل هو خلود الروح ، و ربما تبدو بعض الأسئلة المطروحة في الديوان مثل هل نومنا حياة أمموت ، أم إننا نحيا في كابوس طويل سينتهي  بيقظة ، هل نحن بهذا الشكل من العذاب اليومي الذي نحياه أحياء أم موتى   أسئلة بديهية وساذجة، لكنها مطروحة طوال الوقت في أذهاننا ، لم أقصد بها شيئا سوى نفض الغبار عن أسئلة طفل كنته ظلت في ذهني وأصبحت تتعملق مع ضيق الحياة اليومي .

ماذا قصدت بفكرة الطاعون في الديوان ، خاصة أنه لا توجد قصيدة في الديوان تحمل عنوانه ؟

خلال الفترة الماضية كان كل شيء يوحي بأن ثمة طاعون ينتشر بأشكاله المختلفة ، كانت الصحف والفضائيات والجميع يتحدث عن الماء الملوث الذي إذا شربته ستصاب بأمراض لا نهائية، عن لبن الأطفال المخلوط بمواد سامة ، عن الفاكهة المرشوشة بمبيدات حشرية ، عن الطعام غير الصحي ، عن جرائم قتل واغتصاب غريبة أصبحت تحدث ،عن عشرات الأشياء التي تقتل حولك ، عن حالة فساد أصبحت منتشرة في كافة المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية ، هذا الطاعون أو الفساد هو ما أعنيه ، لا أقصد شيئا بعينه ، لكن حالة الخوف من استشراء هذا الطاعون بأشكاله المختلفة كانت الدافع للكتابة ، الطاعون الذي كما أقول في أحد قصائد الديوان " يدرب هراوات الشرطة على اقتحام البيوت الآمنة " ، أو في قصيدة أخرى " في كل لقمة طاعون ، وكل شرب ة ماء سل ، صرت أخاف من صوتي ، حتى لا يفاجئني بالصراخ " أو " أهرب من طاعون ، يحبو على الأرض ، طاعون في طرقات المستشفى ، طاعون في العناية المركزة ، في السوق ، في الحافلة ، في استراحات المسافرين " ، الطاعون الذي أصبح في كل شيء في كل مكان ، الذي يجعلنا نخاف أن نأكل أو نشرب أو نتكلم ويضع ساقا فوق الأخرى وينظر للسماء ، ثقة أو غرورا  يستحق الكتابة عنه إذن .

لديك ولع بذكر الأسماء في دواوينك ففي ديوان قوم جلوس حولهم ماء هناك شخصيات ثقافية مثل الروائي البرازيلي باولو كويلهو  ،والمصري إبراهيم أصلان ، ورسام الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي ، والشاعرة المصرية غادة نبيل  ، والمطربة  فيروز ، وكذلك محمد منير وحنان ماضي وسلفادور دالي وإيزابيل الليندي والمملتين جوليا روبرتس ، وميج رايان ، ويسري نصر الله  ، ماذا تمثل لك هذه الشخصيات على المستوى الثقافي والإبداعي والنفسي ؟

بداية أنا مفتون بما يمكن أن أسميه لعبة الأسماء ،وأعتبرها تحيل الناقد إلى دلالات مختلفة ، ويمكن للقارئ اعتبارها مفاتيح لشخصية الكاتب ، الشخصيات التي ذكرتها ربما تمثل بعض مفاتيح شخصيتي ، وهي كلها شخصيات معروفة أثرت في  بشكل ما ،وشكلت جزءا من تحربتي ،ووجداني ،وذاكرتي الثقافية ، قد أتماس معها في أشياء كثيرة ، وقد حاولت أن أقدم هذا بشكل ما في ديواني " مديح الغابة " الذي قسمته إلى ثلاثة أقسام هي " غابيون " ،و "غابيات " و " كائنات اخرى " ، وتحت كل قسم قصائد هي في الغالب أسماء أشخاص أتحدث عنهم ، أما في الديوان الذي ذكرته في سؤالك  فسلفادور دالي ثمة قصيدة عنه في الديوان وفي المقابل قال لي ناقد كما قلت لك قبلا  أن بعض قصائدي ، وطريقتي في تشكيل الصورة الشعرية تشبه لوحات دالي ،وهذا شيء لا أقصده ،ولا أقصد أيضا أن أذكر اسمه في قصيدة ، نفس الأمر بالنسبة لإيزابيل الليندي وباولو كويلهو، الذين أعتبرهما الأقرب لي ، فشهوة الحكي غير المنقطع لدى إيزابيل ،والصوفية لدى باولو يتماسان معي أوفلأقل أتماس معهما ، ناجي العلي هو جرح سياسي في وريد العالم العربي ، وفي وريدي كعربي ، وكمثقف ، وكمتابع للشأن السياسي ، وكمتألم بصفة شبه يومية من المواقف الرهبية المخزية ، وأعتقد أن مصير ناجي العلي ، وطريقة موته ، هي الطريقة المثلى للتعامل بين المثقف والسلطة في علمنا العربي حيث لا صوت يعلو فوق صوت العنف.

ـــــــــــــــــ

نشر في مجلة الشعر

Top